إستطلاعإقتصادمقالات

أصناف العمل الحديثة – العمل المرِن و الهجين، ومقدّمي الخدمات

ذ. أحمد براو
لدى مزاولتي مهنة المسؤول الإقليمي لسياسة الهجرة بأكبر نقابة في إيطاليا كانت تقلقني بعض طلبات العمال المهاجرين الذين يقصدون المكتب ويريدون تغيير عقد العمل والغريب أن بعضهم باتفاق مع رب العمل يريد أن يفسخ عقد العمل الدائم ويستمر في شغله بطريقة سرية أملا في الإستفادة من التعويضات عن البطالة التي يتقاضونها من وزارة الشغل لمدة سنتين naspi، وكنت غالبا ما أرفض هذه الإستشارات ولكن بعد مرور أكثر من خمس سنوات حتى أدركت أن سوق العمل كان فعلا يعرف تغييرا جذريا وأن الأزمات المالية المتتالية وظروف متعلقة بوظائف جديدة ودخول تقنيات حديثة ذات شأن بالمعطيات والتسوق عن بعد والإستشارات التجارية، وازدياد أعداد ومنصات العمل الحر وغير ذلك كان لها بالغ الأثر على تطور أصناف العمل وإحداث أخرى جديدة. سنحاول في هذا المقال أن نشرح لقرائنا الأعزاء مصطلحات وخبايا من قَبيل العمل المرن والعمل الهجين والعمل الحر.
– ظروف هيأت لهذا الإنتقال
قلَبت أزمة كورونا نظام العمل رأسا على عقب في العديد من بلدان العالم، رغم أنه كانت قد بدأت إرهاصات هذا التغيير منذ الأزمة المالية العالمية أواخر العقد الأول من هذا القرن “بارت تايم والفاوتشر..” نموذجا، فيما أصبحت تتردد على مسامعنا مصطلحات جديدة في المضمار مثل العمل المرن والعمل الهجين والعمل الحر، هاته الخيارات أصبحت متاحة بشكل دائم لبعض العاملين والموظفين، حتى بعد انتهاء الوباء، في ظل الموقف الراهن المتقلب الناتج عن تباينات حول طي صفحة الوباء العالمي، وكذلك في ظل الإرتفاع المفرط في أسعار الطاقة بسبب الحرب في أوكرانيا، فإن من المنطقي لكل المعنيين أن يواصل أغلبهم العمل الهجين من المنزل بشكل مؤقت. فيما يتيح العمل المرن حرية الإختيار للعامل والموظف الأوقات التي تناسب ظروف حياته وتقلل التكاليف لأرباب العمل خصوصا في التغطيات والضرائب والأجور.
ماهو العمل المرن؟
هو العمل الذي يقوم به عامل غير متفرغ لدى صاحب العمل، ويكون احتساب الأجر بالساعة، ولا يُشترط أن تكون ساعات العمل لدى ربّ عمل واحد، لأن العمل المرن هو أن يحدَّد لساعات العمل جدول زمني على خلاف العمل التقليدي الذي يكون بأجر، حيث يفرض من خلال العمل التقليدي على الموظف الدوام ليوم عمل كامل من الساعة الثامنة صباحاً إلى الثانية ظهراً، على سبيل المثال ويتوقع من العمال العمل فيها، في حين تكون باقي ساعات اليوم هي ضمن نطاق العمل المرن، حيث يمكن للموظف فيها أن يختار العمل الذي يناسبه، بشرط أن يحقق هذا الموظف عدد الساعات الأسبوعية أو الشهرية التي يحددها له صاحب العمل بحيث يتم إنجاز جميع المهام المطلوبة من الموظف في هذه الفترة الزمنية، بما أن العمل المرن يتيح للموظف تحديد الساعات المناسبة له لكي يعمل فيها وكذلك يحدد المكان المناسب له، ومن أهم مميزات العمل المرن أنه يتيح الفرصة أمام الموظفين والعمال لتنسيق ساعات عملهم مع الأوقات التي تناسب حياتهم.
-ظاهرة العمل الهجين
أصبح العمل الهجين أو عن بعد جزءًا من واقع العديد من الناس، كما لوحظ أن العمل عن بعد ساهم في جعل غالبيّة الموظفين متحمّسة أكثر وشغوفة، ما يؤثر على مردودية العمل بإيجابية. فيما أصبحت تتبنّى مجموعة من الشركات راهنًا، استراتيجية تقوم على الجمع بين العمل عن بعد وأداء بعض المهام في المكتب، في ظاهرة تسمّى العمل الهجين، وأكدت نتائج استطلاع للرأي في ألمانيا أن عديدا من الشركات الكبيرة تعتزم آنيا ومستقبلا تطبيق نموذج هجين يجمع بين العمل بين المنزل والعمل من المكتب.
هذا العمل الهجين يعد نموذجًا من العمل الذي يمكّن الأفراد من أداء المهام متكاملة بين المنزل والمكتب، وتضيف نتائج الإستطلاع أن إدارة هذا النوع الجديد من العمل ممكنة بطرق مختلفة؛ في هذا الإطار، على كلّ شركة أن تضع إرشاداتها وتوقّعاتها الخاصّة في ما يتعلق بجدولة مواعيد وبرامج عمل الموظفين وإنتاجية كل منهم.
-أسباب شيوع هذه الأصناف المرنة والهجينة
يمكن أن نعدد هذه الأسباب كالتالي:
-الحصول على جودة عمل عالية
-تحقيق التوازن بين العمل والحياة
-توسيع القدرة على جذب المواهب
-تحسين الثقة بين صاحب العمل والموظّفين
-رؤية أفضل للمديرين عن أداء الموظفين
-تقليل التكاليف على المنظمات والشركات..
– فوائد العمل العصري المرن
اللافت أن دراسة أجريت عام 2013، كانت قد توقعت حدوث هذا التحول بشكل ما. وفي هذه الدراسة، تعاون رجل مع شركة صينية لدراسة مستوى الإنتاجية الناجم عن تطبيق أسلوب “العمل من المنزل”.
وجاءت النتائج مفاجئة إلى حد ما لهذا البحث؛ إذ أظهرت أن العاملين في الشركة، أصبحوا أكثر إنتاجية على نحو ملحوظ، عندما اتبعوا هذا الأسلوب لأربعة أيام في الأسبوع. وأظهرت هذه الدراسة التي أُجريت في الصين قبل سنوات أن إنتاجية العاملين زادت بنسبة 13 في المئة عندما عَمِلوا من المنزل يوما واحدا في الأسبوع.
ومن فوائده أيضا أنه يقدّم هذا النوع من العمل مستوى جديدًا لحرية الموظف، ويسمح له بالتحكّم في وقته، فـ”العمل الهجين” يمكّن من اختيار التوقيت المناسب لإنجاز المهام، ما يقود إلى الإستنتاج إلى أن الموظف يستطيع التركيز على المشاريع الأكثر أهمية عندما يكون أكثر إنتاجية.
يُفيد هذا النموذج الآباء والأمهات، بخاصة، إذ يبقيهم بالقرب من أطفالهم الصغار لوقت أطول، ما يُقلل الإستعانة بمصادر خارجية لرعاية الأطفال.
يوفّر “العمل الهجين والمرن” بدائل النقل اليومية من البيت إلى المكتب، من جهةٍ ثانيةٍ، كانت دراسات أجرتها مجموعة من معاهد البحوث الرائدة في العالم، بما في ذلك جامعة هارفارد وجامعة ستانفورد، تناولت الفوائد التي تعود على الشركات جرّاء نموذج “العمل الهجين”، فخلصت إلى أن الأخير أكثر مرونة، كما هو يزيد من صافي أرباح الشركة ومن أداء الموظفين وإنتاجيتهم.
– منصات العمل الحر
تعرف على أنها عبارة عن مجموعة من المواقع على الإنترنت التي تهتم بمجال العمل الحر، بحيث أنها هي من تلعب دور الوسيط بين مقدمي الخدمات أو كما يقال لهم المستقلون و طالبيها أي الفئة الثانية الذين يحتاجون لهذه الخدمات، وعندما نتحدث عن مقدمي الخدمات أي الأشخاص “الفريلانسر” فنحن نخص بالذكر مجموعة الأشخاص الذين يحاولون استخدام مهاراتهم و خبراتهم التي يمكن أن تكون في مجال الكتابة، البرمجة، تصميم المواقع أو غيرها من الأعمال الأخرى للعمل لدى فئة معينة مع العملاء بمقابل مادي، وكل هذا بطبيعة الحال يكون تحت تصرف و تحكم المستقلين، لأنه انطلاقا من الاسم الذي نسمعه “العمل الحر” نفهم على أن هذا الشخص سيعمل بدون قيود سواء فيما يخص الوقت أو مكان العمل، و لكن هذا لا يعني بأن هذا النوع من العمل لا يخضع لتنظيمات فعالة، بل بالعكس نجد أن منصات العمل الحر تخضع لقوانين و شروط معينة يكون هدفها هو تنظيم تعامل الأطراف من أجل ضمان حق كل واحد منهم و الحفاظ على سيرورة العمل بالشكل الذي يناسب كل واحد منهم أيضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة نبض الوطن