إستطلاع

أوجاع ومسرّات المسلمين في الشهر الكريم

بمناسبة شهر رمضان الكريم قرر مخرج مسرحي فلسطيني مقيم في لبنان العمل على مسرحية تستعيد الفرح الذي كان يطبع شهر الصوم، حيث تجتمع طقوس العبادة والتراويح والتهجد مع أهازيج الفرح وطبل المسحراتي والأنواع الخاصة من الألعاب والسهرات ومسلسلات الدراما العريقة، مع المآكل التي تميز الشهر الكريم، وتسترجع المسرحية هذا كله، عبر استذكار العادات الرمضانية في حارات دمشق وسيدي بوسعيد التونسية، والمدن الفلسطينية، وهي، على أي حال، ظواهر تنتشر على امتداد الجغرافيا الإسلامية في العالم.
واضح أن هذه الحاجة لاسترجاع المعالم الجميلة لرمضان يتزايد إلحاحها على كثير من الشعوب العربية والإسلامية نتيجة المعاناة الكبيرة التي تعيشها، والتدهور الكبير في أوضاعها السياسية، وبالتالي، أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، فلبنان نفسه يعيش أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث، وهو ما ينطبق على النسبة الغالبة من الشعوب العربية والإسلامية، بما فيها التي تمتلك فائضا كبيرا من الثروات الاقتصادية، كما هو حال العراق وليبيا والجزائر وإيران، أو لديها إمكانيات كبرى للاستثمار الزراعي أو السياحي، كما هو حال السودان والمغرب وسوريا ولبنان واليمن وتونس.
غير أن أكثر ما يثير التفجّع في الأحوال العربية والإسلامية أنه بالإضافة إلى فقدان الكثير من المسرّات الكثيرة التي كان الشهر الكريم يمثلها بالنسبة للشعوب العربية، والتي كان مواطنو تلك البلدان، بغض النظر عن أديانهم، يتشاركونها، فإن أسبابا كثيرة اجتمعت على تحويل رمضان إلى شهر الأوجاع والآلام والمقاتل الفظيعة.
هذا هو حال الفلسطينيين، الذين صار رمضان مرتبطا لديهم بحروب إسرائيل عليهم، وبتشديد هجمات المستوطنين المتطرفين على مقدساتهم، وخططهم المستمرة لتدنيسها واقتحامها والاعتداء على الناس والمصلين، وحصار المعتكفين المتهجدين والمرابطين للدفاع عن الأماكن المقدسة، وبالاعتداءات على الأسرى والصائمين وبينهم الممتنعون عن الطعام احتجاجا على اعتقالهم الإداري، وقد أضافت إسرائيل هذا العام قيودا أيضا على دخول المسيحيين إلى كنيسة القيامة، لتعيد تذكير الفلسطينيين بأنها دولة يهودية وأن عداءها لا يقتصر على الفلسطينيين المسلمين فحسب.
يذكر رمضان أيضا بآلام المسلمين الذين حلت عليهم مصائب كبرى أيضا، كما هو حال الروهينجا في ميانمار، الذين تم طردهم من أراضيهم، وتقطعت بهم السبل والسفن وطوردوا في البلدان الأخرى التي لجأوا إليها بأشكال الاضطهاد، والأويغور في الصين، الذين يسجن مئات الآلاف منهم ويتم تشغيلهم في المصانع الإجبارية، وتمارس عليهم أشكال الاضطهاد الديني الفظيعة.
جدير بالذكر أيضا، أن الكثير من اليمينيين المتطرفين، يحاولون في هذا الشهر، أن يثيروا النعرات الدينية والقومية والعنصرية، عبر أمور مثل إحراق نسخ القرآن، وهو أمر شبيه بما يفعله المتطرفون اليهود من محاولات ذبح القرابين في المسجد الأقصى.
أحد أسوأ الظواهر التاريخية المستجدة في سياق هذه الآلام هي أشكال الإجرام التي ما انفك تنظيم ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية” يقترفها ضد إخوانه المسلمين، وآخرها ما حصل أمس وقبلها بأيام من تفجيرات ضد الشيعة في أفغانستان، وعمليات إجرامية باسم التنظيم نفسه في نيجيريا وغيرها.
لا يمكن، في هذا المشهد، أن نغفل عن أشكال التلاعب التي يحاول الكثير من الأنظمة العربية استخدامها لتوطيد دعايتها، والدعاية لأركان استبدادها، سواء عبر استغلال الطقوس الدينية، منعا أو سماحا (كما حصل في موضوع التهجد في تونس ومصر)، أو عبر استخدام الدراما لتزييف التاريخ وتشويه الواقع وتضليل المشاهدين.
يبقى رمضان، مع كل محاولات الإجرام والاستغلال لها، طقسا هائلا لامتزاج العبادة والجوع بالفرح والسعادة.

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة نبض الوطن