.

ازدياد جرائم الكراهية في إيطاليا و فشل الملاحقة القضائية.

أحمد براو
تعرضت الجالية المغربية بإيطاليا ليلة الإحتفال بفوز المنتجب المغربي على إسبانيا لإرهاب جبان، وشهدت مدينة فيرونا هجوما وحشيا من طرف عصابات فاشية منظمة وملثمين متخفين ينتمون لأقصى اليمين المتطرف، مدججين بجميع أنواع الأسلحة البيضاء والسلاسل الحديدية والأدوات الحادة التي خلفت جروحات ورضوض وكسور، ولولا الأقدار والتدخل الأمني الإستخباري لكانت الحصيلة مؤلمة وثقيلة، وأظهرت صور وفيديوهات المحطة التلفزية الإيطالية “راي 3” تعرض سيدة مغربية وزوجها لكسر سيارتهما وتطاير الزجاج منها وتكسيرها. فيما أوقفت السلطات أكثر من عشرة مهاجمين لهم سوابق وأظهرتهم كاميرات المراقبة.
وأعربت الإدارة البلدية التي يقودها العمدة داميانو توماسي، لاعب كرة القدم السابق في روما، عن “أقصى قدر من التضامن والتعاطف مع الجالية المغربية”. “دعونا نعمل جميعًا معًا لتحسين الإدماج والتعايش السلمي بشكل أكبر – وتختتم الملاحظة الواردة من بلدية فيرونا – سنعمل حتى لا تتكرر الحلقات المماثلة ومن أجل مدينتنا، الآن وفي المستقبل، لتكون قادرة بشكل متزايد على توفير مساحات آمنة لجميع المواطنين للنمو والتماسك الاجتماعي”.
العنف الناتج عن العنصرية وجرائم الكراهية بحق الأجانب، هي من بين التهديدات الرئيسة التي تواجهها إيطاليا في السنوات الأخيرة، هذا ما حذّر منه تقريرٌ أصدرته مؤخراً وكالة الاستخبارات الإيطالية، ويعزو أغلب المحللين أن السبب الأساسي يعود للخطاب السياسي الذي يهيمن على البلاد ، ويتسم بالنزعة العدوانية ، وخاصة تجاه المسلمين والغجر وأصحاب البشرة السوداء والأسيويين واللاجئين وطالبي اللجوء ، فالخطاب المشار إليه يفضي إلى انتهاج سلوك اجتماعي معادٍ وعنيف تجاه تلك المجموعات من الناس، فيما يغيب أي مؤشر عن تعافي البلد جراء انعدام الإجراءات القانونية والملاحقة القضائية وإنفاذ القانون ومعاقبة مرتكبي هذه الجرائم.
– جريمة قتل مغربي وتهديدات لكاتبة جزائرية بدون معاقبة الجناة
والأدهى من ذلك كله هو فقدان الضحايا لأملهم في اللجوء للقضاء وطلب العدالة بسبب عدم إنفاذ القانون ، بعد الأنباء عن إطلاق سراح بعض المتسببين في جرائم القتل بسبب العنصرية مثل المستشار الجماعي لبلدة “فوغيرا” ماسّيمو أدرياتيتشي المنتمي لحزب رابطة الشمال الذي أطلق الرصاص وأودى قتيلا شابا مغربيا يدعى يونس البوسطاوي مدعيا الدفاع عن النفس حيث سارع زعيم الحزب اليميني المتطرف سالفيني لمساندته والتأكيد على براءته قبل بداية التحقيق وسط ذهول جميع الحقوقيين وأسرة الضحية والجالية المغربية .
حادث آخر حصل مع الناشطة الحقوقية والوسيطة الثقافية آسيا بلحاج صاحبة كتاب “ما وراء الحجاب” بعدما التجأت برسالة تَظلّم من عدم أخذ حقها من القضاء وجهته إلى رئيس الجمهورية الإيطالية “سيرجيو ماتاريللا” ملمّحة إلى أنها تعرضت للكثير من التهديد العنصري وخطاب الكراهية ومرة أخرى للتمييز العنصري عندما لم تتمكن المحاكم الإيطالية من الإستجابة للدعوى التي قدمتها ضد مجموعة من العنصريين الذين أرسلوا لها رسائل تهديد وشتائم عنصرية عبر صفحات التواصل الإجتماعي في حين كانت تقوم بحمتلها الإنتخابية كمرشحة لإقليم الفينيتو، فيما التجألت بعد ذلك للمنظمات الحقوقية الدولية عازمة على مواصلة الدفاع عن حقها كمواطنة إيطالية من المحاكم الأوروبية.
منظمة هيومن رايتس ووتش تقول إن القانون الإيطالي ينص على عقوبة السجن للجرائم المرتكبة بسبب دوافع عنصرية ، لكن القانون ما زال لم يرتق لمستوى التنفيذ . قانون 1993 غالبا ما يطبق بواسطة ممثلي الإدعاء وفي المحاكم فقط لتطبيق حالات التي تكون فيها الكراهية العرقية هي الدافع الوحيد ، وتترك الملاحقة القضائية لجرائم عنصرية خطيرة كما لو كانت جرائم عادية. على سبيل المثال اعتبر ممثل الإدعاء قتل أحد الأفارقة كجريمة عادية على الرغم من السباب العنصري التي تلفظ بها الجناة خلال هجومهم عليه، فالجرائم التي ترتكب بدافع الكراهية بناء على التوجه الجنسي وهوية النوع والدين لا يتم تغطيتها أو التحقيق فيها على الإطلاق.
– تقارير واستطلاعات صادمة لوضع المهاجرين
هناك العديد من التقارير والتحقيقات واستطلاعات الرأي المحلية والدولية التي ما فتئت تدق نواقيس الخطر من أجل إخطار السلطات الإيطالية والرأي العام والتي تؤكد استفحال هذا الوضع الكارثي الحقوقي ضد الأجانب في إيطاليا فيما يخص التمييز في جميع المجالات خصوصا في الشغل والخدمات والحقوق المدنية والدينية ولضرورة وضع الحد للتحيز الإعلامي ضد الأجانب ونفث روح العداوة والكراهية والخوف عبر التقارير الإخبارية وكذلك السياسة الحزبية والخطاب الشعبوي المتلون الذي يعكسه بعض الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل حزب “الرابطة وإخوان إيطاليا” وبعض المنظمات النّازي-فاشِسْتية ” فورسا نووفا و كازابوند”.
وقد أجرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، استطلاعًا للرأي حول التمييز وكراهية الأجانب في إيطاليا حيث قال 3 من بين كل 10 مهاجرين شباب إنهم عانوا من بعض أشكال التمييز، وأوضحت أن 70% من حالات التمييز كانت بسبب لون بشرتهم.
ونوّه المشاركون في الإستطلاع بأن التمييز كان يحدث بشكل عام في الشارع والمدرسة والأماكن التي يعيشون فيها . إذ عبّر 4 من بين كل 10 مهاجرين عن شعورهم بأنهم مرفوضون عندما وصلوا إلى إيطاليا ، وأنهم طوال نصف الوقت كانوا يشعرون بالخوف ، وعندما حدث ذلك أوضح 57% من الشباب المهاجرين أنهم شعروا بالحزن ، و12% بالغضب ، و10% بالخوف ، بينما قال 21% إنهم لم يروا سببا للقلق .
وأكد 6 من بين كل 10 شباب مهاجرين أنهم يدركون حقهم في الحماية من كافة أشكال التمييز ، بينما لفت 4 من بين كل 10 إلى أنهم لم يكونوا يدركون أنه يجب حمايتهم من التمييز وكافة أشكال العنف.
وفي هذا السيق قالت “آنّا راتّي”، منسقة برنامج الأطفال والمراهقين اللاجئين والمهاجرين بمنظمة اليونيسف في إيطاليا ، إنه “خلال السنوات الأخيرة ، شاهدنا زيادة في عدد حالات التمييز والعنصرية المعترف بها ، بما في ذلك ضد الأطفال والمراهقين”.
ووثق تقرير نشرته هيومن رايتس ووتش من 71 صفحة: “حول العنف العنصري والمتولد عن الخوف من الأجانب في إيطاليا” إخفاق الدولة في اتخاذ تدابير فعالة بحق جرائم الكراهية. والملاحقة القضائية للعنف عنصري الدوافع نادرة ، مع عمل المسؤولين الإيطاليين على التقليل من شأن المشكلة والإخفاق على طول الخط في إدانة الهجمات . يفاقم من المشكلة عدم كفاية التدريب المقدم لقوات إنفاذ القانون والعاملين بالقضاء ، وعدم كفاية التحريات . في الوقت ذاته فإن الخطاب السياسي، والسياسات الحكومية، والتغطية الإعلامية التي تربط المهاجرين بالجريمة والتسكع والمخدرات أدت لتغذية أجواء التحامل وعدم تقبل الآخر.
– الأسباب الكامنة وراء العنصرية
ويغذي الخطاب السياسي وحتى التوجه العام للدولة بإدراج الهجرة كملف أمني مرتبط بوزارة الداخلية عوض وزارة الشؤون الإحتماعية وكذلك التغطية الإعلامية التي تربط المهاجرين بالجريمة كل ذلك أنتح بيئة خطيرة من التحامل والكراهية في البلاد التي شهدت زيادة كبيرة في الهجرة على مدى السنوات العشر الماضية.
ويعزز هذا التوجه لاستفحال هذه الظواهر العنصرية المستشرية في إيطاليا في السنوات الأخيرة عدة أسباب أهمها الوضعية المزرية للأجانب خصوصا العمال الموسميين واللاجئين والمسلمين والغجر ، بحيث تتفشى بينهم الجهل بالقوانين والحقوق المكفولة بالإضافة إلى عدم تمكنهم من معرفة المؤسسات والجمعيات الحقوقية التي تقدم الإستشارات مثل مؤسسة “أونار” Unar المكتب الوطني ضد التمييز العنصري، و “أنبي” Anpi الجمعية الوطنية للمناضلين الإيطاليين، وكذلك المؤسسات النقابية والمكاتب البلدية. ولابد للإشارة لضعف التواصل لهذه الكيانات مع الجاليات والجمعيات المهاجرة من أجل ربط اتفاقيات وتقديم خدمات حقوقية وغياب الدورات التكوينية التحسيسية، وكذلك انعادمها كليا على الصعيد المحلي داخل المدن والقرى والجهات التي تكثر فيها اليد العاملة المهاجرة كالمعامل والمزارع وفي الخدمات..
ومن بين الأسباب أيضا هو غياب الردع والعقاب لمثل مرتكبي هذه الجرائم التي ينبغي أن يعاقب عليها القانون بحيث يتميز القضاء الإيطالي بضعف النفاذ والتساهل في الحكم على المجرمين الذين يرتكبون هذه الإنتهاكات العنصرية ، ما أدى إلى انصراف الضحايا عن حماية أنفسهم بترك رفع الدعاوى وخيبة الأمل في إمكانية الحصول عن الحق وإنفاذ العدالة المنجزة .
ففي كل يوم نسمع العديد من الأخبار المحلية والوطنية المؤسفة بحق المهاجرين ، هذا بالإضافة للحوادث اليومية التي تحدث غالبا في وسائل النقل أو في أماكن الشغل والمباريات الرياضية والمواقع الإجتماعية تدل عن انتهاكات عنصرية وخطاب الكراهية المستفحلة فيما نتابع بذهول وغضب الإنحياز الكامل لوسائل الإعلام ضد الطبقة المهاجرة والكيل بمكيالين بحيث تكون التغطية الإخبارية مختلفة تماما عندما يتعرض أحد الأجانب للظلم والإنتهاك، وليس بنفس الطريقة عندما يكون هو المقترف للجريمة هنا تتجيش كل المحطات للإدانة والمطالبة بالقصاص.
عن إيطاليا تلغراف

أحمد براو

أستاذ أحمد براو كاتب صحفي مغربي مقيم بجنوب إيطاليا، باحث في علوم التربية والثقافة والمجتمع، متخصص في الهجرة والإندماج والعمل الجمعوي لمغاربة العالم، إمام وخطيب ومدرس ومحاضر. مؤسس المركز الثقافي الإسلامي بكوزينسا جنوب إيطاليا، رئيس جمعية "دعوة" بين الثقافات بمدينة كوزينسا وفوروم مغاربة كالابريا والناطق الرسمي للشبكة الحقوقية المغربية الإيطالية، عضو في تجمع حوار ممثلي الأديان. ممثل اتحاد الجاليات الإسلامية بجنوب إيطاليا. حائز على شواهد عليا ودبلومات وجوائز تقديرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: