ثقافة و فنون

الإيداع القرآني والاختلاف النصي

تبين لنا من خلال الإيداع النصي القرآني أن مصدر الكتب السماوية واحد. غير أن يد الإنسان تتدخل، عن قصد، في أغلب الأوقات، أو غير قصد، أحيانا، في تحريف ما نُزِّل، والابتعاد عن الروح الأولى التي تتمثل في ما تدعو إليه تلك الكتب. ولما كان ذلك المصدر واحدا فإنه شمل الإنسان حيثما وجد.
ويظهر لنا القرآن الكريم ذلك، في قوله تعإلى: «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا» (الإسراء ـ 15) وأن الحساب والجزاء والعقاب يشمل الإنسان حيثما كان، ولهذا تؤكد لنا مختلف الدراسات الحديثة والمعاصرة، وإن بصيغ مختلفة، أن من كانوا منقطعين عن غيرهم من الشعوب، وظلوا محافظين على ثقافتهم الأولى طيلة آلاف السنين (من يسمونهم البدائيين) يشتركون مع غيرهم في القول بوجود إله، أو آلهة، ويعتقدون في الحياة بعد الموت، بل إنهم حتى في قولهم بالخلق، نجد ما يدعم الانطلاق من تلك الأصول المشتركة، وإن قدمت بأشكال متعددة ومختلفة، لكنها قابلة لأن تؤول حسب مصدر واحد. ونجد مصداقا لذلك في كون العرب حين أنزل القرآن وجدهم مشركين، يعدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى؟ أي أنهم كانوا يعدون الله، لكن بطريقة محرفة عما وصل إليهم.
اهتم الباحثون في تاريخ الأديان المقارن وأنثروبولوجيا الأديان، منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بالبحث في تاريخ الأديان وأصولها وتطورها. وظهرت أطروحتان تؤكد أولاهما أن التوحيد هو الدين الأصلي، وأنه تراجع مع الزمن لفائدة الوثنية، ومختلف الأشكال الدينية التي عرفتها البشرية. وتقول الأطروحة الثانية، كما أبرزها ديفيد هيوم في كتابه» التاريخ الطبيعي للدين» (1757م) إن الوثنية هي الأصل، وعرفت تطورا تجلى في التوحيد ليتلاءم مع تطور حقب البشرية، وهذه الأطروحة الثانية هي التي تبناها فلاسفة عصر الأنوار، وعمل علماء الاجتماع المقارن على تقديمها من منظور تاريخي مبني على تطور تاريخ البشرية في مختلف تجلياتها. بينما نجد الحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر تعاكس هذه الأطروحة، وتذهب إلى أن البشرية في المرحلة البدائية كانت لها معرفة الحكمة الأولى التي ضاعت مع الزمن، وتحولت إلى مختلف الديانات الباطنية الشرقية والشرق أوسطية. ويعتبرون المسيح استرجاعا لتلك الحكمة الأولية، بطريقة جديدة.

وإذا أردنا البحث في تاريخ الإسلام، منذ الفتنة الكبرى، بعد قتل عمر بن الخطاب، والتي استمرت زمنا طويلا، وما طرأ بعد ذلك إلى الآن سنجد ما يدعم كون الاختلاف النصي تحكمه عوامل كثيرة تنبني على الأهواء والمصالح، بل إن الاختلاف النصي يتخذ ذريعة وأساسا للانحراف والتراجع عما رأيناه في الإيداع النصي القرآني.

من الباحثين المحدثين الذين يدافعون عن الأطروحة الأولى إيف لامبير في كتابه: «برج بابل: ميلاد الأديان من ما قبل التاريخ إلى الديانات الكلية» مؤكدا أن التوحيد هو الأصل، وأن التراجع في ممارسته هو الذي حوله إلى الوثنية، ولذلك فهو يستعيد ألقه كلما هيمن الإلحاد أو الوثنية. وجدتني أنحاز إلى هذه الأطروحة ليس من منظور البحث في تاريخ الأديان وتطورها في تاريخ البشرية، لكن من زاوية ما يقدمه لنا القرآن الكريم نفسه، من خلال ما سميته «الإيداع النصي القرآني».
إن التصديق والتحقيق وهما التجلي الطبيعي لما جاء به الإسلام بعد التراجع الذي عرفه التوحيد مع اليهودية والمسيحية، يكشف لنا بجلاء أن ما أنزله الله، وما أرسله من أنبياء ورسل لهداية البشرية، هو الأصل، وأن ما كان يطرأ مع الزمن هو الانحراف عما كان يتقدم في ذلك الأصل، ولهذا السبب كان الله يبعث في كل زمان من ينبه البشرية إلى الطريق المستقيم، بعد الانحراف الذي باتت تعرفه في مسيرتها، ولهذا كان يبعث لكل أمة من يجدد أمر دينها، وكان الإسلام تبعا لذلك الدين الأخير. إن ما سميناه الانحراف أو التراجع عن الأصل يعود إلى الاختلاف في التعامل مع النص الديني. يتم هذا الاختلاف النصي إما عن طريق تغيير النص ليتلاءم مع أهواء جماعات اجتماعية ترى في ما جاء به الدين «الجديد» حرمانا لها من مصالحها التي فرضتها على المجتمع، وترى في النص الأصلي ما يناقض طموحاتها وأهواءها. يبدو لنا ذلك بجلاء في موقف المشركين من الإسلام، حيث اعتبروه خطرا على ما ظلوا يعتنقونه من معتقدات ورثوها عن أسلافهم. وكذلك في مواقف أهل الكتاب الذين رأوه يهدد كتبهم التي ظلوا يتعاملون معها بأنها أساس حياتهم. ونجد كذلك في ما مارسته الكنيسة طيلة العصر الوسيط ما يؤكد لنا ذلك. ويمكننا تعداد الأمثلة من مختلف المجتمعات كلما وجدت نفسها أمام ما يدعوها إلى تغيير تصوراتها عن الحياة في أبعادها الدينية والدنيوية.
وإذا أردنا البحث في تاريخ الإسلام، منذ الفتنة الكبرى، بعد قتل عمر بن الخطاب، والتي استمرت زمنا طويلا، وما طرأ بعد ذلك إلى الآن سنجد ما يدعم كون الاختلاف النصي تحكمه عوامل كثيرة تنبني على الأهواء والمصالح، بل إن الاختلاف النصي يتخذ ذريعة وأساسا للانحراف والتراجع عما رأيناه في الإيداع النصي القرآني. فالقول بالرجعة، وخلق القرآن، وظهور الفرق والطوائف، وما يمكن تسميته بالدين الشعبي، وهو يتدثر بإحدى الفرق الشيعية أو السنية أو الصوفية، ليس سوى ابتعاد عن الأصل الديني الذي جاء به القرآن الكريم، وهو يدعو المسلمين والمؤمنين إلى نبذ الفرقة والاختلاف، أو ليس واقع المسلمين حاليا دالا على ذلك؟

 سعيد يقطين

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: