دين ودعوة

الشوق و الحنين في ذكرى مولد النَّبي الأمين صلى الله عليه وسلم

في ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم نتذكر : واجبات أربعة نتواصى بها المعرفة،المحبة، الطاعة و الاتباع، العمل لنصرة شريعته. إنَّ ذكرى مولد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لها مكان التربع في قلوب المسلمين؛ لهذا كنت أترقب الهلال ليحمل لأمتنا التعبة روح المحبة والتقدير والشوق للحبيب الأكرم صلى الله عليه وسلم. نستقبل ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونتذكر القيم العليا والأخلاق الطيبة والمثل السامية التي تجسدت في شخصه الكريم، نتذكر رسالته الخاتمة وسنته الباقية ومشروع إنقاذ البشرية من الهلاك في الدنيا والخسران في الآخرة وكيف كان رحمة للعالمين وكان رحمة مهداة من رب العالمين

د. أسامة جادو

 

 

أقبل هلال ربيع الأول وهو يحمل للأمة أعطر ذكرياتها وأطيب نفحات الله تعالى للبشرية؛ كيما تتلطف الأجواء التي يعيشها المسلمون اليوم، وكيما يتجدد الإيمان في قلوبهم وتنشط نفوسهم وتجد في طلب الفلاح في الدارين. مضت أيامٌ طويلة شديدة، أثقلت النفوس وأرهقتها بين شد وجذب، ومنافسة ومناكفة، كثُر الكلام وقلَّ العمل، وغالب دعاة الفتنة والفرقة وتسلطوا وتصبروا، حتى كادوا أن يزرعوا الشك في كل شيء وكاد الحصاد أن يبور، لولا أن قيد الله تعالى للحق دعاة يذودون عنه ويبددون دعاوى الزيف والبهتان والشك والتضليل. وقد أدمت قلوب المؤمنين حملات شرسة و مخططات وقحة تنال من الإسلام و مقدساته ، و تسخر من القرآن الكريم و تستهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الخلق و أشرفهم و أعلاهم قدرا ، ولم يقف الأمر على سفهاء و موتورين أعماهم الحقد و عنصرية بغيضة ، بل اتسع وشمل زعماء سياسيين و نخبة فكرية في بلاد الغرب ، ماكرون فرنسا ومن معه ومن يؤيد انحطاطه وتسفله .

تلهفت لمجيء شهر ميلاد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ليقيني أن الذكريات خزينة المشاعر ومسكونة بوجدانيات طيبة وروحانيات سامية تسمو بنفوس المحبين وتخفف عنهم وطأة الأقدار المؤلمة التي تعترض مسار حياتهم، ولا أبالغ إذا قلت إنَّ ذكرى مولد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لها مكان التربع في قلوب المسلمين؛ لهذا كنت أترقب الهلال ليحمل لأمتنا التعبة روح المحبة والتقدير والشوق للحبيب الأكرم صلى الله عليه وسلم. نستقبل ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونتذكر القيم العليا والأخلاق الطيبة والمثل السامية التي تجسدت في شخصه الكريم، نتذكر رسالته الخاتمة وسنته الباقية ومشروع إنقاذ البشرية من الهلاك في الدنيا والخسران في الآخرة وكيف كان رحمة للعالمين وكان رحمة مهداة من رب العالمين، بشر المؤمنين وأنذر العصاة وانحاز دائمًا للحق وحكم بالعدل فما زلَّ وما ضلَّ، صلى الله عليه وسلم. نستقبل ذكرى ميلاده والقلوب مشتاقة إلى لقياه والنفوس تواقة لرؤياه، والعيون تتوق للنظر إلى وجهه الحبيب، وقد حُرمنا من كل ذلك الفضل في الدنيا، وندعو الله تعالى أن يُعوضنا في الآخرة صحبته ومرافقته في الفردوس الأعلى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفس محمد بيده ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني. ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم” (رواه مسلم في الفضائل، باب فضل النظر إليه وتمنيه- 4/1836). لقد تكرم الله تعالى على جيل من البشر وأكرمهم وزادهم من فضله فجعلهم الجيل الذي آمن بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ورأوه وسمعوا صوته ونالوا شرف صحبته وهم جيل الصحابة الكرام فكانوا خير الأجيال وأفضل الناس، أحاطوا بقلوبهم حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وضربوا المثل في علوِّ الهمة في محبته وشدة الشوق إليه، ليس في الدنيا وحدها بل سبق شوقهم إليه حتى وصل إلى الجنة، هذا ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم- كما روى البغوي- كان شديد الحب لرسول الله صلي الله عليه وسلم، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه، فقال عليه الصلاة والسلام: ما غير لونك؟ فقال يا رسول الله: ما بي مرض ولا وجع، غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك؛ لأنك ترفع مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة فأنا في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فأولئك مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقا) (سورة النساء: اﻵية 69).

رضي الله تعالى عن أصحاب نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد مضت عليهم سنوات طوال بعد موت حبيبهم، ثم وفد عليهم بلال بن رباح مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد رحل عن المدينة بعد موت النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، لم يستطع العيش فيها بعد موته فسكن الشام واستقر بها. تابع معنا ما رواه الحافظ ابن عساكر بسند جيد عن بلال بن رباح رضي الله عنه، أنه لما نزل (بداريا)- اسم مكان قريب من الشام- رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بعد وفاته وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني؟ فانتبه بلال حزينًا خائفًا، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يبكي ويمرغ وجهه عليه!!! فأقبل الحسن والحسين، رضي الله عنهما، فجعل بلال يضمهما ويقبلهما فقالا له: نتمنى أن نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فعلا سطح المسجد ووقف موقفه الذي كان يقف فيه فلما قال: (الله أكبر، الله أكبر) ارتجت المدينة فلما قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) ازدادت رجتها، فلما قال: (أشهد أن محمدًا رسول الله) خرجت العواتق- النساء- من خدورهن وقلن: أبُعِثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ فما رؤي يوم أكثر باكيًا ولا باكية بالمدينة بعده صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك اليوم. ( انظر : سير أعلام النبلاء- 1/358ج). وعلى الدرب سارت أجيالٌ فاضلةٌ نافست الصحابة الكرام في محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وضربوا الأمثلة مثلهم في الحب الصادق والشوق القوي والحنين الشديد، وسطروا بدموع الليالي على خدودهم، وهم واقفون بين يدي ربهم ويناجونه ويمجدونه، تعرفهم الأسحار بصلاتهم وذكرهم، وتعرفهم المساجد بسيرهم إليها في الظُلم، وعمارتهم لبيوت الله تعالى، لهم ذكر طيب بين الناس بأخلاقهم وسلوكهم وأدبهم الذي تعلَّموه من سيدهم محمد طب قلوبهم وشفاء صدورهم صلى الله عليه وسلم. إنَّ الملايين التي تهتف اليوم “الرسول قدوتنا” وتسعى بكل همة ونشاط حتى تسير البشرية سيرًا طيبًا مقتفيةً هدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وتبذل من وقتها ومالها وراحتها وحريتها بل وروحها من أجل أن تكون كلمة الله تعالى هي العليا وأن تسود القيم والمبادئ والأخلاق التي بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بها، وأن تكون المرجعية العليا لحياتهم ومنهاجهم وتشريعاتهم ودستورهم للمنهاج الذي جاء به النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه، في ذكرى مولد الهادي البشير.

يطيب لي أن أحيى هذه الأمة المباركة أمة الإسلام وهي تعيش اليوم مخاضًا عسيرًا يعقبه- بإذن الله تعالى- ميلاد جديد وفجر عظيم تشرق بعده شمس أمتنا ولا تغيب. وأهتفُ في أذن الأحبة الكرام المبلغين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والحاملين لواءه أئمة المحراب وأعلام المنابر: هذه مناسبة ذهبية تتاح لكم كيما تذكروا الناس بحبيب قلوبهم ونور حياتهم، كيما تشحنوا قلوب الناس باليقينيات المنجية والمؤيدات الربانية وما أجراه الله تعالى من كرامات ومعجزات ومصدقات على يدي النبي الكريم والإيمانيات الحية والمحبة الصادقة والإتباع للنبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليكن شهر ربيع مساحة زمنية لشحذ الهمم وإيقاظ روح المنافسة في محبته وإتباعه والدفاع عنه وعن سنته. وددتُ لو خصصنا كل حديثنا في الفترة الوجيزة القادمة للسير في هذا الاتجاه العظيم نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتكن خطب الجمع والجماعات وخواطر الصلوات والمحاضرات، ودروس الليل والنهار، والمسابقات والحوارات، كلها تفيض بهذه المعاني التي أشرت إلى بعضها، وأود أن أتلقى إجابة من إخواني الدعاة، بل من كل حبيب للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام: إذا لم تشتَق القلوب وتحنُّ لرسول الله في هذه الأيام فمتى نشتاق إليه؟ ومتى نحنُّ إليه وتهفو نفوسنا إليه؟ أكاد أسمع صرخات إمام التابعين الحسن البصري رضي الله عنه وهو يحدث الناس بحديث حنين الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم “كان الحسن البصري رحمه الله يحدِّث بحديث الجذع الذي كان يخطب رسول الله عليه، ثم تركه واتخذ المنبر فحنَّ الجذع وسُمِع له صوت كصوت العِشار- كحنين الناقة التي يُنتزع منها ولدها- حتى سمعه كل من في المسجد فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه فسكن- والحديث بالصحيحين البخاري ومسلم- فكان الحسن البصري إذا حدّث بهذا الحديث يقول: “يا معشر المسلمين.. الخشبة تحِنُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقًا إلى لقائه فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه”.

إنَّ على الدعاة دورًا عظيمًا اليوم لإحداث نهضة روحية تحتاجها الأمة وهي تتأهب لتحقيق نهضتها الشاملة وبناء دولتها الحديثة، يقظة الأرواح ونهضة النفوس بداية الطريق وأول المسير، وما أطيب ما ذكره إمامنا الشهيد حسن البنا رحمه الله وهو يجيب عن سؤال طرحه على الأمة من أين نبدأ ؟ فيقول : “إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور: – إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف. – وفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر. – تضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل. – معرفة بالمبدأ والإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه، والانحراف عنه والمساومة عليه، والخديعة بغيره، على هذه الأركان الأولية التي هي من خصوص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة، تبنى المبادئ، وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتية، وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنًا طويلاً، وكل شعب فقد هذه الصفات الأربع، أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه، فهو شعب عابث مسكين، لا يصل إلى خير ولا يحقق أملاً، وحسبه أن يعيش في جو من الأحلام والظنون والأوهام (إنَّ الظن لا يغني من الحق شيئًا)” (رسالة إلى أي شيء ندعو الناس؟!). وقبل أن نفترق أذكر الإخوة الأكارم براية التحدي التي رفعها سيد من سادات التابعين رضي الله عنهم أجمعين، أبو مسلم الخولاني، رحمه الله “أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يستأثروا به دوننا، فوالله لنزاحمنهم عليه زحامًا حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالاً”. فمن يجيب ويردد معه ويسير سيره، يزاحم الصفوة المختارة من الخلق؛ ليكون في زمرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم؟ اللهم ربنا بلغ نبينا منا السلام واجمعنا به في الفردوس الأعلى ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلاَةً تُنْجِينَا بِهَا مِنْ جَمِيعِ الأَهْوَالِ وَالآفَاتِ ، وَتَقْضِي لَنَا بِهَا جَمِيعَ الْحَاجَاتِ وَتْطَهِّرُنَا بِهَا مِنْ جَمِيعِ السَّيِّئاتِ وَتَرْفَعُنَا بِهَا عِنْدَكَ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَتُبَلِّغُنَا بِهَا أَقْصَى الْغَايَاتِ مِنْ جَمِيعِ الْخَيْرَاتِ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد معلم الناس الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة نبض الوطن