ركن القراءة

الكتابة باليدين في ديوان «بها الليل» للمغربي إدريس أمغار المسناوي

بداءة، وجبت الإشارة، إلى أن أطروحة هذا الاقتراب، تنبني أساسا، على مساءلة «الكتابي» في الزجل المغربي. فلئن كان فن الزجل، قد ارتبط لغة واصطلاحا وممارسة، منذ نشأته، بالتطريب والإنشاد، حتى أصبحا، معيارا ومحددا أساسيا لشعريته، بشكل لا فكاك منه، فإن تجربة الشاعر المائز باختياراته الجمالية إدريس أمغار المسناوي، شكلت ثورة حقيقية، بما تحمله الكلمة من أبعاد ودلالات حداثية، منتصرة للكتابي، في مقابل الشفاهي، حيث استطاع هذا الشاعر أن يقلب المعادلة في العلاقة بينه وبين القارئ، معلنا بذلك عن ميثاق تخييلي جديد، قوامه الكتابة والقراءة، بدل الإنشاد والسماع.

في «خبرة النص» المسناوي

إذا كانت الكتابة النظرية، عند الشاعر البهي إدريس أمغار المسناوي، لا تنفك ترددُ مقولة «الكتابة بالفلسفة» أي الكتابة العالمة، وبتعبير صلاح بوسريف «الكتابة بالمعرفة» إذ إنه ما فتئ يرددُ، عند كل مناسبة، على أن الكتابة الشعرية هي «مركز كل معرفه ومحيطها» فإن جل كتاباته الشعرية، إبداعا، لا من حيث بلاغة تأملاته الكينوناتية، ولا من حيث اختياراتُه الجمالية، تنزع بالشعر، هذا الفعل المارد، نحو تخومه، وتطوّحُ باليد الكاتبة.. اليد المرتعشة.. اليد المحمومة، في تخوم إيقاعاتها، مثلما تطوح بالنص في مواجهة دواله؛ مؤسسة بذلك، لما يمكن تسميته بـ«النص البلوري». هو نص متعدد الأضلاع. نص له خبرة بما هو مقبل عليه، من برنامج نصي، يختلف تماما، عما درجت عليه العادة الشعرية في الزجل، بعيدا عن أي تهافت.

التفكير شعرا فتحٌ للقادمين من المستقبل

في ديوان «بها الليل» (المطبعة السريعة ط1، يناير/كانون الثاني 2015) وهو محلُّ دراستنا، ينتفض النص، على شفاهية القصيدة الزجلية، التي عُرفت بها منذ نشأتها وظلت تخنُقها إلى يومنا هذا، مستقويا النص بالتأمل الفكري المستند إلى مرجعيات فلسفية حداثية، وما بعد حداثية، ما جعل كل نصوص هذا العمل، تكتسب خبرة مخصوصة. خبرة النص، هذه، لا تستوي إلا بـ«التفكير شعرا» ولا تني تذهب، عبورا، إلى التأمل الكوني/ الإنساني، مُتخفّفةً، من غلواء المألوف وسياق عاداته. هي أعرافٌ كتابية جديدة ورائدة، في شعر الزجل في المغرب. ولعل المخطوطات التسع في الديوان، لدليل قاطع على ما ذهبنا إليه. وشاهِدُنا، في هذه الدراسة، النموذجان التاليان، وهما مجردُ غيض من فيض:
المعْنى عايشْ فيكمْ بلا معنى .. وأنتُما جامْعين… حاضنين
سلبيات اليسار واليمين .. وعلى بركة لمْواتْ باقْيين مْعوّْلين.
إن المتأمل لهذا النموذج، يصطدم بنضج كبير، عند الشاعر، مبتهر من المشروع الفلسفي الحداثي وما بعده.. نضجٍ يتبطن دعوة صريحة للتخلص من الفكر الخرافي، وبركات الأموات، العلّةُ في الخواء في المعنى الذي أصبحنا نحياه اليوم، في تضمين فني رائع وبديع لمقولة « غياب المعنى» لدى بول ريكور.
كما يقول الشاعر، في المخطوط نفسه:
يا القريب م الوعي
اكْتبْ على التاريخ تغْلب.
أغْلبْ الزمانْ تكتبْ.
إن ربط الشاعر، ها هنا، بين الوعي (الفكر) والكتابة، أي دعوته إلى التفكير شعرا، لهي صيحةٌ حداثية بحتة، تنقل فن الزجل من وضعه الشفاهي، إلى الكتابي، كاشتراط أساس، من اشتراطات الحداثة. والحاصل أن التفكير، في نصوص هذا الديوان، إن لم نقل في جل أعمال هذا الرجل، لا يتم إلا باليدين، أخذا بنصيحة هايدغر الذي يرى أن «التفكير هو عمل اليد» وهي وحدها الضامنة للاختلاف والمغايرة. فباليد، يوجه الشاعرُ مبْضَعَ التفكيك إلى القيم الفاسدة التي يعتبرها علةَ فداحتنا. وباليد يوضع القارئُ في مواجهة مع الصفحة، وباليد يصبح المعنى مضافا، وبها يُصبح الشعرُ كشفا (أليثيا) بتعبير هايدغر.
إن الكتابة باليدين، هي نشاطٌ للفكر بالدرجة الأولى، حيث تكفُّ الذاتُ عن الاعتقاد الأعمى باليقينيات، مثلما هو الحال في هذا النموذج:
من قال الحقيقة مطلقة والحياة فشوش؟
والسؤال، عند صاحبنا، هو براديغم مختلف، يجد امتداده في الزمان، أي باعتباره طريقا سالكا نحو فعل الكتابة، لا باعتباره صنواً للجواب، لأن إدريس المسناوي، يدرك جيدا، وهذا واضحٌ في كتابه «فتوحات» أن الجواب شقاءُ السؤال، وأن السؤال تخلُّقٌ للمعنى، وإنصات لنداء الوجود. يقول:
يا لمْفيْقاه الضرْبهْ
اشْعلْ ظْلامْ عقلك وبالضُّو اكْتبْ.
اكْشفْ على عورات التاريخْ وْفَ الضو اكتب.
اقْلبْ الحقيه توْقفْ على رجليها وللضو اكتب.
أوصّي ع الّمْرا باشْ وصَّى الحطيئة واكتب.
حطّْ الحياة ف يدكْ وف القلب واكتب.
داكْ الشي اللي خصُّه يتكتب ويتكتب.
ويلا جات الموت
مُت راكب وانت تا تكتب… تاتكتب

حداثة الكتابة

فعل الكتابة، في الديوان، لا يحفَلُ إلا بالصفحة، ويرفع وتيرة الانفصال عن الصوت/ التطريب، الذي لازم شعر الزجل قرونا طويلة. ثمة تغييرٌ لمجرى النهر. فالكتابة لا تستقر في شكل واحد ونهائي، ولا تتردد في أن تجريَ تمارين وحفريات أركيولوجية في أرض الشعر، باعتبار هذا الأخير، مقترحات مشتركة بين الإنسانية جمعاء، ولا تني، عطفا على ذلك، تُرْفِدُ اللغةَ بشُحنات تجعل الكائن الإنساني يعي ذاته والعالم ككينونة كليانية، أليست اللغة كما قال هايدغر نعمة «من أخطر النعم»؟ والأكيد أن هذه الشحنات، جعلت الكتابة، ها هنا، تخترق المغلق، فاتحة معابر تتسلّلُ منها لكي تصبح نشيدا كونيا.
ولعل، من أهم هذه المعابر، رغبته الحثيثة، وعيا وممارسة، في جعل اليد الكاتبة تخوض صفحتها كاشتراط حداثي. الكتابة، هنا، بما هي توقٌ دؤوب لقول اليد.. لقول الجسد المتقد كذلك، كما يقول جلال الدين الرومي على لسان الشاعر نفسه: «الكتابة من حركة القلم» ومثلما ردّد على لسانه، قول أمبرتو إيكو «ثلاثة د الصباع قابطين القلم لكن الجسم كله تا يعمل».

م يعد للكلمة أيُّ قيمة، في ذاتها، سوى ما تحمله من تكثيف، ناجم عن نفي وطرح كل ما هو غير جوهري، بتعبير لوكاتش، بالحذف والتخفيف والتخلص مما هو ذاتي عابر، مع الاحتفاظ بكل ما هو إنساني مشترك.

فعل الكتابة، عند إدريس المسناوي، يستدعي، بقصد لاذع، اليدين الملبدتين برعشاتها.. اليدين المتوالجتين في فتوق المعنى وفجاجه وتصدعاته، رتْقا وفتْقا في الآن نفسه. هي كتابة تتصيد، بمكر كبير، «ليلَ المعنى».
ويمكن القول، حسب ظني، إن ديوان « بها الليل» قد شكل انعطافة حقيقية، فتحت لشعر الزجل، أفقا آخر، إذ سيضع الصفحة رهن منطوقها، وفي مواجهة نفسها، واللغة في مواجهة دوالها. فالصفحة لم تعد تطمئن لحركة اليد الكاتبة، لأن هذه الأخيرة، وهي تحرثُ بياض الصفحة، جيئة وذهابا، لا تتوقف بتوقف الدفقة الشعورية، وإنما أصبحت تحتكم في توقفها لرعشة اليد المحمومة. كما أن اللغة لم تعد منشطرة إلى لغة للشعر وأخرى للنثر. هناك لغة واحدة تطوح بالجسد في تخوم انكتابه. الكلمةُ، في مقام هذا الديوان، تتحول من جذرها المعياري، أي باعتبارها علامة تواصلية، لها مبنى ومعنى، إلى سياقها التركيبي الكلياني، حيث تتحول إلى مجرد رمز وشفرة.
لم يعد للكلمة أيُّ قيمة، في ذاتها، سوى ما تحمله من تكثيف، ناجم عن نفي وطرح كل ما هو غير جوهري، بتعبير لوكاتش، بالحذف والتخفيف والتخلص مما هو ذاتي عابر، مع الاحتفاظ بكل ما هو إنساني مشترك. هذا الإجراء، سيجعل الكتابة، عند إدريس المسناوي، لا تقتصر على المكتوب وحده، وإنما تمتد إلى أبعد من ذلك، أقصد تفجيرها لمجمل دوال الصفحة من بياض وحبر وخط (غرافيك) ولغة…
جماع القول، إن في شعرية الكتابة، في نصوص «بها الليل» يغيب الصوت لصالح الصفحة بكل ما تتيحه من دوال: اللغة، التشكيل، الغرافيك، الحواشي…هي شعرية يكاد ينفرد بها إدريس المسناوي، حتى إن قراءة نصوصه، أصبحت تفرض قراءة خاصة. قراءة تعيد الاعتبار للصفحة بالأساس، على عكس ما درجت عليه عادات القصيدة الزجلية الشفاهية التي لا تجد نفسها إلا في الإنشاد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: