ثقافة و فنون

الملامح المشهديّة في أعمال المغربي محمد الهردوز

تؤسس أعمال التشكيلي محمد الهردوز ـ كمشروع بصري ـ لحالة فنية تتموقع بين تصدير الملمح التّشخيصي السيكولوجي من خلال منجزات «البورتريه»، وتفجير النّمط الانطباعي المجدّد، عبر نافذة المشاهد من خلال تطريز الأغصان والأوراق على المساحات الأفقيّة المتباعدة، وفي ذلك انشغال واشتغال على «التّسحيب» (Skying)، وما يرافق ذلك من تقلّبات وتطوّرات تنعكس على المساحة البعدية الأفقية العميقة، في عمليّة لتملّك الفضاء، وتسجيل المشاعر بالألوان. باعتماد مساحيق لونيّة مائية أحادية متدرجة بسلّم عكسي من الرماد القاتم كمحضنة الأمجاد ومحطة لإعادة رسم الماضي في الحاضر، إلى النار المتوهجة بالألوان الحارة كمَوقدٍ ومولّد للرغبات، في توليفة داخلية من خلال أعمال المناظر الصامتة الناطقة بريشة مائية خفيفة حساسة، أو لنقل عملية انبعاث جديدة يعتمد فيها الفنان إدراج عناصر الكون، مثل التراب والماء والنار في تمازجات خطوطيّة لونية «دارماتورجية» (مسرحة تطابق ملامح التعبيرات البشرية مع ملامح التعبيرات الكونية). وهو إحالة مقصودة من الفنان إلى الأفق كقبلة جديدة نحو الوجهة الأطلسية بمقاييس الجغرافيا المغربية قد تظهر متباينة ومختلفة، تبتعد عنّا كلّما نقترب منها (الأطلس والأطلسي/الجبل والمحيط).
يمثل كلّ ذلك عناصر لوصفة ذات مشروعية يؤسسها الهردوز، في هذه التشكيلة من الأعمال اللونية وهي مجموعة أعمال تقوم على تبنّي الطّبيعة واِمتلاك المشهدية في آن.

المشهد .. إحالات محلية بأبعاد كونية

كلّما تأملنا في بنية النافذة الكونية لأبحاث الفنّان محمد الهردوز، نلحظ مقدار السعي لوضع بصمة خاصة باِعتماد لمسات فرشاة دقيقة، ناعمة وباستعمال خامات خفيفة متوازنة بألوان هادئة، معتدلة لا تبحث عن الصخب والتوتر في عالم مشحون بالمتناقضات. لعلّ هذا ما يجعل المتلقي يسكن فيها، سواء في حالة الوعي باختياراته أو اللاوعي، خاصة عندما يلتقط اهتمامه ويجذبه عمق مناظر الجنان الفردوسيّة الخلابة. ليجعل منه باحثا عن نفسه في أعماق البنيان المشهدي كسجين للفكرة المتخيلة قبل الشكل المتجسد على الورق. وهي إحالة أخرى إلى النفس المطمئنة، التي تطرحها خاصة أفكار جماعات فئوية فنية متباعدة في الزمن وفي المنحى، كمقاربة الهولندي جون بول روبنس في بعض أعماله المشهدية الوفية والعاكسة لواقع يغلّفه صمت المناظر الخفيّة، (الحمل الغامض). خاصة لوحته المعروفة بعنوان «منظر من فلمنغا» التي رسمت عام 1635. مرورا بالقراءاتِ المابعد رفائيلية المنحدرة من إنكلترا في منتصف القرن التاسع عشر، حيث تقود الأعمال مباشرة إلى التأمل في الكون وفي أعماق الذات، بتجاوز جمالية التقديم في حدّ ذاته واِعتماد تجلّيات نورانية للبحث عن السعادة الروحية، وبالخصوص لغرض معارضة الحركة الأكاديمية والمقاييس الفنية المشوهة بتوجهات مصلحية (الثّورة الصناعية) موضوعات ساذجة تحجب حقيقة حضور الطبيعة الرعويّة (pastorale) في عمق الذات البشرية وتطمس الجمالية الداخلية لعناصر الكون المتناسقة في الرؤية المشهديّة المثالية التي بدأ تبلورها مع بداية عصر النهضة. سواء في إيطاليا اِنطلاقا من القرن الخامس عشر، أو حتى في الأقاليم الفلمنكية الشمالية تحت النفوذ الفرنسي والإسباني في ما بعد. وصولا إلى التناولات الاِنطباعية، وهي جزء من تلك الانعكاسات المنتقاة، التي لا تحجب الواقع الصّعب وتعمل على تقديم الحيثيات على طبق من ذهب بإدراج الصورة النمطية المطمئنة عبر الإعراض عن الالتحام بالواقع، ومجابهة معركة الحياة، حسب تعبير المؤلّف جبران خليل جبران. (كلّنا مقاتلون في معركة الحياة، ولكن فينا من يقودُ وفينا من يُقادُ).

البورتريه .. مراوحات مُتقلبة لهويات مزدوجة

تقف إنجازات البورتريه متقاطعة مع المشاهد الطبيعية المفعمة بالحياة، حيث تبرهن على تنوع التجربة وتداولها على مساحات واختيارات متباينة، وعلى تعاكس وتضاد التعبيرات المقترحة على القماش أو على الورق، بين الودّ والصدّ، أو الصراخ والأفراح. باعتماد خلفيات لونيّة أحادية على مساحات مختصرة يمكن أن تلتحق بالأعمال المشهدية، لاسيما وأنّ الحقيبة اللّونية متقاربة وسط ملامح تعبيرية شاسعة، حسب اللّوحة المراد تقديمها باعتماد آثار انطباعية وسلوكيّة هجينة (ألوان افريقية ترابية صحراوية لشخصيات أوروبيّة) بحيث كلما ضاقت زوايا الوجه اِتّسع مجال التعبير (فرح، ابتسامة، ضحك، صمت، رضا، استقرار حزن، بكاء، صراخ…)، رغم أنّ مشروع العمل على الهويات (البطاقات) مستقل بذاته. ولكن ما جلب الاهتمام بالخصوص هو الرغبة في تشكيل هويتين متقابلتين؛ شخصية محلية مغربية، وشخصية عالمية غربية، واِتضح ذلك من خلال ملامح الوجه والتركيبة المختلفة للشكل العام (لون وقصة الشعر، الشارب الرقيق والقبعة الغربية على نموذج أبطال أفلام رعاة البقر في القرن الماضي). كل هذه العناصر تنمّ عن رغبة الفنان في العودة إلى الوراء، واِستحضار العالم القديم إبّان فترة أوج فن البورتريه والأوتوبورتريه (الصورة الذاتية)، خاصة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، إلى حدود فترة خفوت هذا الفنَّ بعد تألق الصورة الفوتوغرافيّة في منتصف القرن التاسع عشر (1839). ومن هذه السمات الهجينة عن المسار التقليدي العربي المغاربي نجد: ملامح الهويّة المتحررة والمُنبتة عن التقاليد الجغرافية المحليّة المحدودة. البعد الإنساني العالمي النّاطق في الشخوص. (المركزيّة الأوروبيّة). المنحى الواقعي المتطرّف نسبيا في تـأصيل الحواس والتّعبيرات. تجسيم لبعض الشخوص من أصحاب القرار، كتقليد لعادة معروفة في الفن الأوروبي منذ القرون الوسطى (الطلبيات). اعتماد قطع كسائية وإكسسوارات كمالية لا علاقة لها بالبيئة المحلية للفنان.

مقدار النّجاح في تشييد الأعمال الفنية المشهدية والهويات المتباعدة، لكفيل وحده بطرق باب الإبداع، سواء كان ذلك ببصمة ثابتة موحدة، أو بجملة من المباحث المتغيّرة والمتفاوتة في الشّكل والمضمون.

في المقابل نلحظ أن التجاذب عميق وشاسع شساعة التعدد والتنوع في التقديمات البصرية للبورتريه، إذا يرحل بنا الفنان إلى العمق الافريقي مرورا ببعض الملامح المغربية المتصالحة مع بيئتها كعلامة رضا وتصدير لعدد من التفاصيل البديعية الفولكلورية الجالبة للاِهتمام. يتحول بذلك التقديم في الحقيبة اللونيّة من الترابي الباهت الخفيف إلى الأسود «القهوي» المتدرج. فافريقيا بلد القهوة والشوكولاتة بامتياز. وهي ألوان تحاكي الخامات اللونية وتفعل فيها فعلها، سواء عبر الفكرة والعادة المتبعة في السائد، أو من خلال تجانس المكونات، ولربما الاشتراك في بعض العناصر في إشارة إلى استعمال القهوة في أعمال عدد من الفنانين المعاصرين.
من ناحية أخرى فالأعمال في شقها المختلف بعناصر افريقية، أحدث تجدّدا وحيوية في السمات العامة، من ذلك نلحظ النّقاط التّالية:
سهولة إظهار التّباين اللّوني (contraste) بالاعتماد على اللون الأسود، ما أضفى حركية فنية، وبعدا مجدّدا في الأعمال. التعبيرات المحتشمة والخجولة للفتاة الافريقية بعلاقة بالواقع المتردي؛ في إشارة إلى الظروف المتدنية في الحقوق المدنية والاجتماعية. التسريحة المطلقة لفروة مكثفة منسابة تبدو معاكسة للواقع المحلّي (شعر مغطّى بمنديل أو بغطاء لأنه غالبا لا يحظى بالاهتمام لا من طرف المرأة ولا من طرف الرجل. فهو بعيد عن عنصر المفاتن التي نعرفها في أوروبا)، ولربما هي عملية مقصودة من الفنان لفتح الآفاق ولرد الاعتبار للثقافة المحلية والاِفريقية المنفلتة وإلحاق العنصر إفريقي بالعنصر الأوروبي.
إن مقدار النّجاح في تشييد الأعمال الفنية المشهدية والهويات المتباعدة، لكفيل وحده بطرق باب الإبداع، سواء كان ذلك ببصمة ثابتة موحدة، أو بجملة من المباحث المتغيّرة والمتفاوتة في الشّكل والمضمون. وهو إذ ينمُّ عن موقف صريح واِجتهادات جريئة لتثبيت مفاهيم محلية وإيجاد بقعة ضوء للون صاعد في سُلّم الإنجازات الإقليمية والدولية، فإنّ تباعد النّسيج الوجهي (le tissus faciale)، وتشتت الملامح المُشخّصة أو غير المُشخّصة، يُؤدّي بنا إلى صعوبة في القراءة والتّناول، لاسيما أنّ الانجازات المشهدية تنعم برغد الوهج التقني حسب المقاييس التشكيلية الكلاسيكيّة المعتمدة (عمق البناء، تناظر الأحجام ، أفق المنظور الكوني (perspective atmosphérique)، تعدّد المساحات، اِعتماد الأبعاد حسب مساحة النّظر، المقاربة الرياضية)، ناهيك من الدقة المتناهية في إيصال التفاصيل للقارئ. وبالتّالي يتوقف الاِستقرار والصمت والاِكتفاء حصرا على المشاهد والاختفاء في غياهب الطبيعة دون سواها، كتأكيد مطلق على تذبذب الذات الشاردة المتسمة بالجموح والتخفي داخل وضعيات متناقضة، وسط فضاء كوني طبيعي جميل ومستقر يذكر بالعظمة والسمو والتعالي عن الأخطاء البشرية. مجموعة أفكار تحدثت عنها الفلسفة اليونانيّة منذ القرن السادس قبل الميلاد.

مهدي غلاب

باحث وفنان تشكيلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: