ثقافة و فنون

انشراح معرفي

المجال البصري للغة عبارة عن شبكة من الرموز والإشارات، يتفاعل معها القارئ، فيحدث ما يسمى بالتداخل النصي. من هذه الزاوية الضيقة يجئ الحكم على أن المتلقي، في النظريات ما بعد الحداثة، عبارة عن نصوص مهاجرة في اللاشعور حسب الفرويديين، الذين بصموا عالمنا بتصورات هزت، منتصف القرن العشرين، مختلف المشارب العلمية والأدبية. وبهذا تأثر الإبداع، خاصة أدب السيرة الذاتية، الذي كان ينظر إليها كمعبر عن صدق التجربة الإبداعية.
فبقدر ما اقتربت السيرة الذاتية من الواقع المعاش والحي، بقدر ما كان وقعها أكثر انتشارا، وأصلح أن تكون جنسا أدبيا معبرا عن حقيقة، طالما يبحث عنها القارئ.
إلا أن السير الذاتية كلها، حسب فيليب لوجون، تتناقض مع ذاتها، من حيث إنها مجرد تعبير لغوي تصويري لحياة مرت وتنوسيَت، ولم يعد لها أثر يرتجى إلا في ذهن الكاتب، يشكلها بالطريقة التي يراها مناسبة، وتمتزج وطموحاته الإبداعية. في هذا المنعطف الحاسم تتبادر إلى أذهاننا أمهات السير العربية، التي غزت الفكر العربي.
إن الحقيقة التي عرت واقع الأدب وفضحت شيطنته، هي تلك الصور الفوتوغرافية، التي يحتفظ بها اللاشعور، فهو بمثابة الخزان الذي لا ينضب له معين، علاوة أنه المزود الأساسي للسيرة الذاتية عند المبدعين في الأدب العالمي. فالمآخذ، التي أثرت في نسقية السير الذاتية في سرد الأحداث، هي اعتمادها الجامد على مخزون يظل ملتبسا أو قابلا للمحو، ويجدد أنسجته العضوية باستمرار، من خلال التغذية الراجعة التي يتحصل عليها اللاشعور، بفعل تفعيل وتحفيز رموز لغوية أو غيرها. فالتداخل، الذي يكسر طموح السيرة الذاتية على مستوى استقدام صور غير مستقرة في الذاكرة، ومفتوحة على التلاشي والإمحاء، يقف عاجزا أمام عتو تُعرف به الحقيقة، وإن كانت هناك استثناءات ينطوي عليها الإبداع العربي.
فبالعودة إلى أم السيرة الذاتية المغربية، والمتمثلة أساسا في «في الطفولة» لعبد المجيد بن جلون، فإننا نجد أن الأدب المغربي ما زال لم يظفر بنظير لها سواء على مستوى توزيع الشخصيات، أو على مستوى بناء الحدث الدرامي، أو حتى على الحبكة، التي تتنامى ونمو الشخصيات والأحداث، أو حتى على المعرفة الجديدة، التي تنضاف وتترسخ في ذهن القارئ، وهو يسافر عبر عوالم جديدة من عادات وتقاليد تزخر بها مدينتي فاس ومراكش. فضلا عن أنها تفسح المجال للقارئ كي يعقد مقارنة بين بيئتين مختلفتين تماما جغرافيا وثقافيا؛ بين مونشستر ومراكش.
وبهذا فالسيرة الذاتية عند عبد المجيد بن جلون أكثر حداثة من سير معاصرة؛ لأنها كانت تقتفي أثر الإنصات إلى الموضوع والذات من جهة، وإلى مرحلة جد حساسة من عمر الإنسان؛ ألا وهي مرحلة الصبا من جهة أخرى. فالسؤال المشروع الذي يفرضه حال المقام: إلى أي حد استطاع الكاتب أن يمثل حياة الطفولة بلغة غير طفولية؟ وقد سبق أن طرح هذا السؤال في مجموعة من المنتديات الخاصة بالسير العربية، فكان عبد الحميد الحمداني، قد أشار إلى أن السيرة الذاتية تأمل في الذات بفارق زمني يعود إلى لحظات تغيم في الذاكرة.

إلا أن السير الذاتية كلها، حسب فيليب لوجون، تتناقض مع ذاتها، من حيث إنها مجرد تعبير لغوي تصويري لحياة مرت وتنوسيَت، ولم يعد لها أثر يرتجى إلا في ذهن الكاتب، يشكلها بالطريقة التي يراها مناسبة، وتمتزج وطموحاته الإبداعية.

غير أن هذا التأمل يمتزج بالتخييل والإيهام بالحقيقة، بما هي تتحقق عبر سرد متين، ولغة رقراقة تذكر أماكن ماثلة في الواقع المعيش والمحسوس، فحسب أمير تاج السر الكاتب السوداني، يكون السرد، بصفة عامة، ذا قيمة كبرى كلما امتزجت فيه المتعة بالمعرفة، فقليلة هي الأجناس الأدبية، السردية، التي تقدم ما يسمى بـ»الانشراح المعرفي». فإبداع السيرة يكون ذا جدوى وقيمة إيجابية، كلما تجاوزت البديهي والمبتذل، بالإضافة إلى زيغها عن المواضيع المتداولة المألوفة، التي استنفدت مخزونها الحكائي. كأن يتناول الكاتب، وهو صبي، علاقاته الاجتماعية مع نساء الدار الكبيرة، أو يسرد علاقاته الغرامية مع بنات الجيران عبر نظرات عابرة، كالطوربيد، لسطوح وطيئة، أو أن يجعل من ظروف العمل الروتيني موضوعا ذا نفس، يُتوهم أنه تناولها من زاوية جديدة. وبهذا يكون الكاتب قد دخل في إجهاد فكري لا طائل من ورائه؛ لأنه لن يحقق المتعة المرجوة من العمل الأدبي. بالموازاة مع ذلك، فالمتعة الأدبية أو ما يسمى بالانشراح الأدبي تضمن للقارئ طبقا معرفيا في طعم حكائي. فحسب تاج السر يأتي السرد المغلف بالأحداث التاريخية، مثلا، ضمن الأعمال التي تقدم المعرفة والمتعة في الوقت نفسه، كأن يؤرخ الكاتب لمنطقة من مناطق المعمورة، كما فعل غابرييل غارسيا ماركيز في «مائة عام من العزلة» أو كما دأب على فعله حنا مينة في العديد من رواياته، فضلا عن محمد الأشعري في «جنوب الروح» وما خزنته منطقة زرهون من وديع الأحداث، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.

فالأمكنة الروائية لها فيض روحي تسكن اللاشعور، فتركب موجة الإبداع لتطفو على السطح، كما تفعل حوريات البحر، عند الكاتب الفرنسي هانز كريستيان أندرسون في قصصه الموجهة للأطفال، التي غالبا ما يكون حلمها الاندماج مع واقع الإنسان، وبالتالي التخلص من ذيولها، التي تظل حاجزا أمام هذا الحلم. فالفضاء، وإن كان مكونا أساسيا في نسيج الحكي، هو الذي يطفو على السطح؛ ليتمكن القارئ الحصيف من أن يعقد مقارنة بين بيئتين كانتا مسرحا لأحداث الحكي، وعندها يتحقق ذاك الحلم الذي يراود القارئ، وهو يلقي بتجربته الذاتية على المقروء، عله يتحصل على ذلك الخيط الرفيع، الذي سيربطه بالحلم أو بالحقيقة. وعقب ذلك يظل الاندماج بين واقع الحال والطموح، الذي يسعى إليه الكاتب من أهم القضايا الجوهرية، التي تشغل وستشغل مستقبلا بال السيرة الذاتية العربية. وبهذا، فتربع السيرة الذاتية « في الطفولة « عند لعبد المجيد بن جلون، على عرش السير ذاتي في الأدب المغربي، لم يكن محض صدفة، أو رمية نرد على طاولة الندماء، وإنما راجع إلى عدة أسباب، من أهمها: تمثيل الكاتب لعالم الطفولة بشعورها وأحاسيسها وتفاعلاتها وتدفقاتها العفوية مع بيئات مختلفة، وهذا من أكبر الأسرار، التي تحدث عنها أمير تاج السر، والتي تخلق في نظره التميز والتفوق، علاوة على محاور أخرى، يراها القارئ عوالم جديدة يمتزج فيها الحلم بالدهشة، وتنتظر في الوقت نفسه، الغزو حسب غاستون باشلار.
فالتمثيل اللغوي للأفضية والشخوص من خلال الإبداع، هو تحفيز للذاكرة عن طريق استرجاع صور غائمة، يتم استقدامها من خلال الحلم والتداعي؛ بهدف خلق عالم منسجم يضم القارئ والكاتب. وبالموازاة مع ذلك يأتي المتخيل كعنصر مساعد ينضاف إلى تشكيل الصورة، التي انبثقت، لحظة الإبداع، في ذهنية الكاتب، كي يقترب أكثر فأكثر من الرسالة التي يحملها الأدب؛ وهي إمتاع القارئ، وبالتالي يتحقق لديه… الانشراح المعرفي.

رشيد سكري كاتب مغربي

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: