.

بي بي سي «هنا لندن» والبكاء على الأطلال

خيم شعور بالحزن بعد إغلاق بي بي سي القسم العربي، القرار جاء بسبب التضخم والتكاليف المرتفعة وتسوية رسوم الترخيص النقدية الثابتة على حد قول إدارة البي بي سي.
المستمع العربي كان ضد القرار، فصوت لندن كان رفيقه في حله وترحاله “هنا لندن” القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية، قول على قول، ونشرة الأخبار، وبرامج عربية أخرى.

برامج ومواد إخبارية متنوعة

ثمانية قرون تزامل المواطن العربي مع هنا لندن منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، ولدوا مع ميلادها وترعرعوا على صوتها، لا شك أن الإذاعة البريطانية حققت وجودا واسعا في المنطقة العربية، من خلال برامج ومواد إخبارية متنوعة، فضلا عن تقديمها بأصوات ألمع الإعلاميين الذين صنعوا مكانة مرموقة في العالم العربي.
وقد تأسست هيئة الإذاعة البريطانية عام 1922 تحت اسم شركة الإذاعة البريطانية وبدأت البث كشركة راديو خاصة.
وفي مطلع عام 1927، تحولت الهيئة إلى شركة عامة عندما تدخلت الحكومة البريطانية للحفاظ على الوسيلة الإعلامية الجديدة.
أما من رافق صوت لندن خلال مسيرتها الإعلامية كتب لهم أن يعيشوا ليبكوا على أطلالها، وأن يحزنوا على قرار إدارة مؤسسة البي بي سي بإغلاق الإذاعة المسموعة، ويتحسر على أيامه الخوالي، لكن للدهر مسارات وأحزانا، فالإعلام الرقمي ساهم بقدر كبير في قفزة إعلامية هددت كثيرا من الإذاعات من إغلاق أبوابها، كما أن الثورة التكنولوجية الحديثة زادت من التباعد بين القديم والجديد.

المنظومة الإعلامية المتكاملة

الجيل الجديد لا يعي ما هو “صوت لندن” بالنسبة للأجيال السابقة، هذا الصوت الذي أطرب الناس وأحزنهم في آن واحد، فهذه المنظومة الإعلامية المتكاملة في أرجاء العالم، فرغم كذب بعضها وصدق الآخر إلا أن المستمع العربي كان يميز الخبيث من الطيب، ويصل الى الخبر الصادق بعد موازنة الأمور وتمحيصها، ولكن يبقى صوت لندن للمستمع العربي هو مصدر خبره الصحيح.

برنامج قول على قول

أما برنامج قول على قول، وهو برنامج شعري كان معده الشاعر الأديب رحمة الله عليه حسن الكرمي، كان لهذا البرنامج حضور قوي في الأوساط العربية حتى الغربية الذين كانوا يتذوقون الشعر العربي ويلتمسون حلاوته، ورغم أن هنالك قلة من يعرف عن هذا البرنامج إلا أنه قدم للمسيرة الشعرية خدمة كبيرة وخصوصا الشعراء.
إننا نفتقد هذه الأيام مثل هذه البرامج لقد كان الكثيرون على موعد مع هذا البرنامج لكي ينهلوا بما فيه، ويزدادوا معرفة وبلاغة وقواعد، وقد قدم الكرمي الكثير من خبايا اللغة العربية للعالم ، فهو ما زال محفورا في الأذهان رغم أنه قد توقف بثه منذ سنوات طوال.
لا ننسى صوت لندن الذي ربطنا بذاك الصندوق الخشبي الذي يمثل تحفة فنية يزين رفوف البيوت، صوت جميل يصدح على مسامعنا على ثلاث فترات كنا ننتظر بين الفترة والأخرى لنسمع الأصوات الجهورة وهي تغرد من خلف البحار، من خلال أثير صوت لندن كنا نلتمس الأدب العربي ومحسناته البديعية، ونتحسس أخبار الكون.

نخبة من الإعلاميين

“هنا لندن” القسم العربي، بيغ بن لقد كنا على موعد دائما مع إشارة الوقت لتخبرنا موعد نشرة الأخبار، فثمة نخبة من الإعلاميين المميزين، لقد مضوا ومضى صوت لندن.
دفعني حب الفضول لأنهل أكثر من صوت لندن، هنالك كثير من المواقع على شبكة النت وكتاب قالوا الكثير عنها لا قدحا ولا ذما ولكن غزلا وحبا وصل لدرجة العشق، هذا هو المواطن العربي الذي إذا أحب يفعل ذلك بصدق وإخلاص.
كان القسم العربي في “صوت لندن” جلهم عربا، خدموا بما تملي عليهم سياسة الإذاعة، ولكن يبقى ثمة كثير من الأمور التي لا أحد يستطيع فك شيفراتها هنالك الإعلام الموجه لا شك في ذلك، فمنه الإعلام الحكومي، والإعلام الحزبي، والإعلام التنظيمي، أما صوت لندن فهو إعلام محايد لكن لا يخلو الأمر من تمرير بعض السياسات أحيانا.
صوت لندن، سيبقى مدرسة إعلامية لها بصماتها صقلت كثيرا من الشخصيات الإعلامية العربية، الذين خدموا الإعلام العربي عبر عقود مضت، هنا لندن المنبر الإعلامي الفريد، وهنالك لندن التي أمعنت في ويلات الشعب الفلسطيني، فهل لندن الصوت الإعلامي كان يستطيع أن يمحو خطيئة بلفور ولويد جورج؟ وأخيرا وداعا صوت لندن، ولا يمكن نسيان المذيعة الأردنية مديحة المدفعي أول صوت نسائي ينطلق من القسم العربي، لقراءة نشرات الأخبار عام 1960 حتى قبل أن يسمح للمذيعات بذلك في الخدمة العالمية في بي بي سي بخمسة عشر عاماً كما لا ننسى وليد سرحان وغيرهما.

فتحي أحمد كاتب عراقي

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة نبض الوطن