ثقافة و فنون

تجاور التاريخ والجغرافيا في رواية « جنازة بدون ميت»!

أصدر الكاتب والروائي المغربي المقيم في الديار الهولندية محمد الجباري، رواية تحمل عنوانا مثيرا وهو «جنازة بدون ميت»، عن منشورات «سليكي إخوان»، وتقع في 296 صفحة من القطع المتوسط، وتتصدر غلافها لوحة للفنان جلال الدافري.
تتوزع الرواية بين فصول اختار لها المؤلف عناوين مختلفة: «ما قبل البادية» ثم «الفكرة» فـ«الخيانة» و»العاهرة صوفيا»، و«الهروب»، و«أقنعة ووجوه»، و«دعوة إلى الحب»، و«المطر»، ثم «الذاكرة» وبعدها «رسائل غير مختومة بطابع بريدي»، وبعد ذلك فصل «توماس وكرستين» وفصل ما قبل أخير تحت عنوان «السفر» ليختتم بـ«النهايات».
الرواية عبارة عن جولة في إحدى مدن هولندا، وهي أوترخيت، التي تشهد وقائع وأحداث الحكاية الرئيسية، وفي خضم تلك الجولة يسافر الروائي الجباري بالقارئ في عدد من المناطق والمدن الأخرى مثل روتردام وأمستردام. لكن جولة الجباري بالقارئ لم تكتف بالجغرافيا، بل تجاوزتها إلى التاريخ، حيث يتوقف عند أحداث وقعت بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.
بطل رواية «جنازة بدون ميت» تظهر عليه علامات التأثر بما جرى في الحربين المذكورتين، ويبدو ذلك جليا من خلال سرد ما عايشه هو، أو من خلال حكايا الآباء والأجداد والمحيط المجتمعي من جيران ومعارف. ويبقى هذا الجزء الذي خصصه الروائي لتأثر البطل بالحرب، هو المسيطر على باقي فصول الرواية، حيث ترك للكلمات فرصة التعبير عن بطولات من عاشوا الحرب في نسختها الأولى.
قد تكون هذه الرواية الصادر باللغة العربية هي الأولى لكاتب مغربي يخوض في سرد تفاصيل الحرب العالمية من زاوية من عاشوها من أبناء أوروبا، حتى تكاد تتخيل أنك تقرأ رواية مترجمة، وليست أصلية بالنظر إلى طبيعة الحكاية وانتماء أبطالها؛ لكنها إبداع مغربي محض. تبقى الإحالة الأولى للرواية على فضاء الفصول وعناوينها أساسيا، لأنها لم تسطر بمحض الصدفة، بل كانت عن سبق إصرار وترصد، فهي تقسم أنّات القلم الذي خطّ الوقائع بكثير من التشويق والبراعة الأدبية.
عناوين الفصول هي تعريفات دقيقة للمجتمع وما يعتمل فيه من قتل وعنف واغتصاب وتجارة بالبشر، ناهيك من المعاملات التجارية التي يدخل في إطارها تزوير الحسابات، وما بين كل ذلك من كذب وخيانة وغدر. مفتتح الرواية يكون بحفلة تنكرية من تلك الحفلات التي تقيمها الطبقة البورجوازية، لكن الحفل مجرد ممر إلى الأقنعة التي أصبحت هي الوجوه التي يتقابل بها الناس في الشوارع وربما حتى في البيوت وبين الأب وابنته.
الجنازة التي يلزمها ميت بكل تأكيد، بالنسبة للكاتب محمد الجباري، هي جنازة معنوية لميت يسير فوق الأرض، رغم أنه مدفون تحتها، بعبارة أصحّ هو موت الروح قبل الجسد؛ وتلك هي الحكمة الأساس التي يمكن أن يستشفها القارئ من هذه الرواية. ولعل أبلغ مقطع هو ذاك الذي ذيل به الكاتب مؤلفه، حين يقف البطل أمام قبر كتب على شاهدته اسمه وتاريخ مولده ووفاته ويقول «أنا الميت إذن!» ويتابع «أنا؟ صار فجأة هذا الضمير المنفصل فضفاضا لا يعني شخصا بعينه، هذا (الأنا) الذي من خاصيته أنه لا يثنى أضحى عجبا يختزل نسختين، واحدة فوق الأرض وأخرى تحتها».
معظم فصول «جنازة بدون ميت» وشخوصها تدور في هولندا، لكن الكاتب قرر أن يسافر بالقارئ إلى المغرب من خلال تخصيصه للجزء الأخير من روايته للسفر إلى كل من مراكش ومسقط رأسه القصر الكبير وجارتها العرائش، حيث يرسو على وادي «اللوكوس» الشهير.
القارئ يجد نفسه أمام إبهار العودة إلى الأصل، والتأكد من أنه يقرأ رواية كتبت بالعربية وصاحبها عربي وليست رواية من المؤلفات الأوروبية. العودة إلى المغرب والسفر من القصر الكبير إلى مراكش مرورا بالعرائش ووادي اللوكوس، هي عودة القلم إلى محبرته العربية والخروج من عوالم أوروبية عاشها القارئ من خلال حكي الجباري الذي أمتع وأبدع.
صاحب «جنازة بدون ميت» كان قد أصدر «أشواق حارة» سنة 2014، وهو من مواليد مدينة القصر الكبير شمال المغرب، ويشتغل في مجال التدريس في الديار الهولندية ويلقن طلبته الاقتصاد والرياضيات.

الطاهر الطويل

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة نبض الوطن