إستطلاع

حرق القرآن: إفلاس سياسي وأخلاقي يُلزم المسلمين بالوعي

شهد عدد من المدن في السويد صدامات عنيفة بين الشرطة ومتظاهرين خرجوا إلى الشارع احتجاجاً على قيام سياسي زعيم لحركة يمينية متطرفة بحرق نسخ من القرآن خلال التجمعات أو عبر تصوير الواقعة وتوزيعها، وبلغت الاحتكاكات درجات من الشدة شملت استخدام قنابل المولوتوف وحرق السيارات وجرح العشرات في صفوف المدنيين والشرطة واعتقال عشرات آخرين.
وكان راسموس بالودان، الذي يحمل الجنسيتين الدنماركية والسويدية ويتزعم حركة “سترام كورس” أو “الخط المتشدد”، قد ابتدأ جولة في بعض المدن السويدية تدعو إلى طرد المهاجرين المسلمين وغير الغربيين إجمالاً، وتتضمن أيضاً حرق نسخ من القرآن والدعوة في الآن ذاته إلى تحريم ديانة الإسلام. وقد أعلنت الشرطة السويدية أنها تطبق القانون من حيث صيانة حق التعبير وحماية التظاهرات المرخص لها، ولذلك فقد تكفلت بضمان أمن المسيرات التي قادها بالودان، مما أثار احتجاج المتظاهرين المناهضين للحركة العنصرية كما دفع بعض الساسة والمراقبين السويديين إلى الاستغراب من هذا الأسلوب في حفظ حرية التعبير.
ويشار هنا إلى أن رئيسة وزراء السويد ماغدالينا أندرسون كانت قد أعربت عن “اشمئزاز” شخصي من آراء بالودان ومواقفه، معتبرة أنه “معتوه” لكن الديمقراطية تكفل حتى للمعتوهين الحق في التظاهر والتعبير، ولهذا رأت أن الاعتداء على رجال الشرطة الذين أمّنوا تحركات “الخط المتشدد” هو اعتداء على “ديمقراطية الشعب السويدي”. ورغم أن هذه المعادلة تبدو متماسكة من حيث الشكل، فإن السلطات السويدية تجاهلت حرص بالودان على تنظيم تحركاته في قلب البلدات والأحياء ذات الأغلبية المسلمة، وكان المنطق يقتضي منها أن تحظر هذا الاختيار بالذات على أرضية أنه يهدد الأمن العام والسلم الاجتماعي.
من جانبها كان جديراً بالجاليات المسلمة أن تجنح إلى التعقل واحترام الدستور والاحتكام إلى سلطة القانون كأن تطعن أمام القضاء في حق تنظيم التظاهرات الاستفزازية داخل الأحياء المسلمة أو ذات الحساسية الفائقة ضد استفزازات من هذا النوع، إذ إن اللجوء إلى العنف ضد عناصر الشرطة لن ينفع في ردع التطرف فضلاً عن انقلابه إلى سلاح مضاد وحجة في أيدي المتطرفين أنفسهم. فالجوهر في مظاهر إحراق نسخ من القرآن، في السويد أو في أي بلد آخر، ليس أكثر من تعبير عن إفلاس سياسي وأخلاقي يواجه مجموعات التطرف المعادية للأجانب وللمسلمين وللإسلام، والوسائل المثلى للرد على هذه الظواهر الشائنة هو التعقل والوعي واحترام القوانين والانفتاح على المجتمع العريض.
وتحض على هذه الخيارات حقيقة أن بالودان يمثل أقلية ضئيلة ومحدودة، وسبق له أن فشل في الانتخابات التشريعية لعام 2018، وفي سنة 2020 حُكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر بعد إدانته بتهم تتضمن العنصرية والتشهير، وحركته ذات المرجعية النازية حديثة العهد وتأسست سنة 2017 فقط. ولا تتجاسر اليوم على المهاجرين إلا بسبب صعود التيارات اليمينية والانعزالية وحرص الحكومات السويدية على مغازلة ناخب شعبوي محافظ أو متشدد. ولهذا قد يكون مؤسفاً أن تخسر الجاليات المهاجرة شارعاً سويدياً عريضاً اشتُهر تاريخياً برحابة صدر تجاه الغريب والمهاجر.

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة نبض الوطن