ركن القراءة

رواية «لا أتنفس» للمغربية زهور كرام والمجتمع الرقمي الحديث

إن رواية «لا أتنفس» للكاتبة زهور كرام الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع- الأردن في طبعتها الأولى سنة 2020، استجابت لممكنات زمن ما بعد الحداثة وتَجاوزتها على مستوى الشكل السردي والمحكي، كونها «تتسم بالتشظي والانفتاح والتنوع وامتلاك نمط خاص من المساءلة والاستكشافات»(جيسي ماتر. تطور الرواية الحديثة) وعلى الرغم من كون هذا العمل الإبداعي قد صدر ورقيا/أو حتى مرقمنا لكن فضاءه موزع على مختلف إمكانات الفضاء السبيراني، من خلال التقاء شخوصه المتعددة على مختلف تطبيقات التواصل الاجتماعي. ناقلة لنا عنف الواقع لتدوينات أو فيديوهات تلاقي تفاعلات مختلفة من طرف الشخصيات الافتراضية. (س.ع – الصياد- آدم القادم من حي الظلمة- طبيب الهجرة- أم وليد…). إننا أمام رواية تنتمي بكل المقاييس لعصر الأدب السبيراني/ المتشعب وما ينقص نسختها المرقمنة هو إلحاق منافذها الأربعة عشر بروابط تقود لممكناتها السردية اللانهائية، ولا بد من الإشارة لكون هذا النمط من النصوص الإبداعية «يمتلك شكلا أدبيا يتفوق على الرواية الحديثة، عندما وفى بجميع مهامها وعلى نحو يبدو أفضل مما تفعله الرواية الحديثة، إنه النص الذي انتهت إليه الرواية في الفضاء السبيراني Cyberspace» (جيسي ماتر. تطور الرواية الحديثة) وهذا ينطبق على الرواية موضوع الاشتغال.

إن الرواية متجددة في كل عصر، كونها تعيد تشكيل نفسها مع كل تغير جديد يطرأ على المجتمعات، فيكون الكتّاب السباقين للسعي لإيجاد سبل يسجلون فيها على الورق/أو الحاسوب كل ما يطرأ من تغيير جذري يلامسون معه، أن الشكل الإبداعي الذي اعتادوه، ما عاد يستجيب لمتطلبات العصر ولا حاجياته، فيبدأ البحث عن أشكال جديدة قد تكون لغرابتها غير مقبولة في البداية، إنه سؤال كسر العرف المتعارف عليه، وخلق عرف جديد ربما ينبثق من الهامش ليصبح مع الوقت أدب المركز والعصر، كما ذكر وفصل جمال بوطيب في كتابه «أعراف الكتابة والتأليف». هناك أزمنة نكون فيها أشد حاجة للرواية، فرغم أن هذا الجنس وليد البورجوازية، إلا أنها منبع الأمل لخلق شكل أدبي يصلح لتجسيد معاناة الإنسان والاهتمام به لذاته، في زمن يتحقق فيه «سقوط الإنسان» – على حد تعبير ميلان كونديرا – وعدم ارتكاز الحياة البشرية عليه كفرد، حيث يصبح الشخص أقل أهمية من السلطة، وتغيب بذلك الحريات، وتتوسع دائرة ثقافة المصلحة، وثقافة التبعية، والهيمنة واتساع الهوة بين الطبقات، بل بين الأفراد. ربما تكون حينها الرواية هي المنقذة والمعيدة للتوازن الحقيقي لهذا الكائن، الذي صحت تسمية زمانه حسب إدموند هورسل بـ«نسيان الكائن» (ميلان كونديرا فن الرواية) هذا الزمن الذي يعود كلما غابت قيمة الفرد، وينجلي كلما عاد التوازن الاجتماعي للمجتمعات الدائمة التغير.
قصة أم وليد اليوتبور المشهورة تكشف خبايا حياة المشاهير الذين يجتهدون لتقديم صورة غاية في المثالية عن نمط حياتهم، ومبلغ حكمتهم التي أدركوها بعد عمر طويل من المعاناة والألم والاجتهاد، للوصول لما هم عليه، فضاء مفتوح في وجه العامة والخاصة، وجدت فيه امرأة ستينية/سيدة وحيدة شباكا لتطل منه على العالم، وتخبر متابعيها تفاصيل حكاياتها وحكايات قريتها التي تحولت في ما بعد لمدينة ممسوخة، يقول السارد: «أم وليد باتت تعرف اليوم بقناتها المشهورة، سيدة تعلمت القراءة والكتابة، بعد أن تزوج ابنها، ومات زوجها وبقيت وحدها في البيت» (الرواية) لكن ها هي شمعة هذه السيدة تنطفئ ما إن شهر بها صديق ابنها، مخلفا دمارا شنيعا على مستوى علاقتها بابنها وبالمجتمع، يقول السارد في الفصل المعنون بـ«شباك الصياد»: « تصرخ أم وليد تنادي ابنها، هل ما يزال وليد في المدينة، أم غادر وهجر البلد عندما أعاق الذي كان صديقا له فرمى أمه بخدعة الخيانة؟

إن عنوان الرواية، يتسم بالدقة، «لا أتنفس» نحن فعلا في ظل التحولات الكبرى التي لم نستوعب بعد طبيعتها لا نتنفس كشخصيات نموذجية استقدمها السارد من مخيلته، لكنها مخيلة لم تنطلق إلا من فضاء المجتمع الذي نعرفه جميعنا.

غاب وليد عن أنظار الزملاء في الشركة، وبقيت أم وليد وحيدة كأنها يتيمة، ثم استأجرت شقة بعد أن انزاحت عن قناتها إثر خدعة صديق ابنها الذي أخذه الحسد، إلى تركيب صوت أمه المشاع في قناتها مع صوته، فكان الفيديو الشهير الذي أطاح بقناة أم وليد» (الرواية) يتجسد لنا هنا الوجه الآخر لانقلاب الثورة التقنية والتكنولوجية ضد مصلحة الإنسان، الذي كان يظن أنها ستكون سبيلا لتحقيق رفاهيته وراحته، فقد كان من المتوقع «أن ظهور وتطور الآلات الحديثة وأجهزة الإرسال ستوفر حياة أكثر سهولة وانسجاما، ومع فجر القرن العشرين اصطدم صدى هذه الأفكار بالحقيقة المرة، حقيقة أن الناس لا يشعرون مطلقا بأنهم أكثر سعادة» (إدغار بيش- فكر فرويد) ورغم أن مطلع القرن الواحد والعشرين كان الخطوة الحاسمة للتخلص من المجتمع الاستبدادي، باتجاه المجتمع الليبرالي الديمقراطي الحديث، حيث عرف العالم ربيعا خاصا به، والذي نعته البعض بالظاهرة الاجتماعية، نتيجة للاستبداد السياسي والفقر والحروب والأوبئة وتغير المناخ، فبدأت علامات التحول الاجتماعي تظهر من الترابط للتفكك خصوصا مع أزمة كورونا، التي ترتب عنها بروز نمط آخر من الحياة، أكثر ارتباطا بمدينة المعرفة، حيث تم تحويل الخدمات الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية لتعاملات رقمية يمكن إحداثها من منزلك، دون الحاجة للتنقل، الشيء الذي أسهم في سيطرة الأنظمة الشمولية وقلص من حرية الأفراد، وبدأ يتحكم في نمط الحياة البشرية.
إن عنوان الرواية، يتسم بالدقة، «لا أتنفس» نحن فعلا في ظل التحولات الكبرى التي لم نستوعب بعد طبيعتها لا نتنفس كشخصيات نموذجية استقدمها السارد من مخيلته، لكنها مخيلة لم تنطلق إلا من فضاء المجتمع الذي نعرفه جميعنا. وما أكده طوال الرواية يؤكد لي كشاهدة على تحولات هذا العصر، هو أن البشر صنعوا سجنا كبيرا سجنوا أنفسهم فيه وسموه الحضارة، ولم يستفيقوا إلا وأيديهم مكبلة بنظم توقعوا أن تحميهم، فإذا بها تسد منافذ الهواء على رئاتهم فلا يتنفسون، لقد «كانت الحرية الفردية أكبر بكثير قبل وجود أي حضارة» (إدغار بيش- فكر فرويد) الإنسان اليوم بحاجة – أكثر من أي وقت مضى – لحرية عنيفة يعبر من خلالها عن غضبه العارم إزاء كل الأحداث التي تضج حوله لتلغي حواسه، وعقله وتطوعه، وكل شيء من حوله يخاطب مستوى الإدراك لا الوعي عنده. يقول إدغار بيش، «خلق الإنسان، تدريجيا، مجتمعا متحضرا ليتخلص من الأخطار والآلام التي لا تحصى في حالة الفطرة، لكن هذا المجتمع المتحضر لا يناسبه. إنه يتألم ويحس بأنه صار ضعيفا ومضطهدا» (فكر فرويد).

ونتيجة كل ما حدث ويحدث من اضطرابات سياسية واجتماعية وإنسانية على وجه الخصوص سيستمر سعي الكتاب والفلاسفة والمفكرين، إلى إيجاد طرق ترمم الهوة التي اتسعت بين أفراد المجتمع الواحد، وها نحن مع رواية «لا أتنفس» نجد مدينة من الأمهات فاقدات البصر والذاكرة، نساء فقدن أبناءهن إما لموت أو نتيجة الاضطهاد الاجتماعي، كما حدث مع بشرى التي هرب ابنها، أو مع والدة الشاب صاحب التنورة الذي انتحر، يقول السارد:
– «ثم تحكي أنك لم تكن عندما هز الانفجار المدينة، ونساء المدينة غير مبصرات، أذهب الانفجار بصرهن وتركهن غير مضيئات، وأنت تحكي عن الأم المنكوبة بغدر وخيانة. نساء المدينة عيونهن مطفأة..» (الرواية)- صباح يوم خميس عثرت الشرطة على شاب بتنورة وحذاء ملون بكعب عال غارق في دمائه، (الرواية). تتفرع حكاية الشاب صاحب التنورة إلى حكايات، انطفأت بعدما فتحوا صفحة الشاب في فيسبوك، ووجدوا منشورا وضعه قبل العثور عليه مقتولا أو ميتا بعد ساعتين ونصف الساعة. يقول المنشور: «كل شيء موصد أمامي. أبواب تغلق في وجهي.. لم أختر أنوثتي، ما أنا إلا أنا كما أنا الآن» (الرواية) وحتى عندما خرجت والدته للبحث عنه لم تسأل عنه أحدا كانت تبحث وكفى.

سعت رواية «لا أتنفس» للكاتبة زهور كرام إلى تبني عدد من الإشكالات التي تخص المجتمع الفرداني والمتشظي الحديث بخلفيات اجتماعية واقعية، تحتضن تناقضات وصراعات متنوعة، مشكلة بذلك فضاء واسعا ومتشعبا تتناسل من خلاله الحكايات وتكون منفتحة بذلك على مختلف التأويلات حتى يشارك المتلقي في بناء النص وتشكيل تصورات لانهائية له، وبذلك تبقى الرواية ذلك الجنس الذي يعيد خلق نفسه ليستوعب العالم بما يتضمنه من صراعات واصطدامات وإشكالات إنسانية كبرى تبحث عن فضاء يستوعبها ويسعى لإيجاد حلول لها، أو على الأقل الاحتفاظ بها كنوع من التأريخ الاجتماعي للأدب، دون النزوح بهويته بعيدا عن كونه شكلا إبداعيا.

 خديجة عماري

باحثة من المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: