العالم العربي

سلام إسرائيلي – فلسطيني؟ أهلاً وسهلاً بعهد “ما بعد القومية”

عندما ننظر إلى المعركة الدائرة بين روسيا وأوكرانيا ونتساءل ما الذي يمكننا تعلمه منها، نقول إنه علينا أن نحتاط من النزعة القومية المفرطة. ألم يكن الإفراط في الوعي والطموحات والأحاسيس الوطنية هي التي دفعت الطرفين، لا سيما الطرف الروسي بالطبع، للسير بعكس اتجاه التاريخ والغرق في حرب هستيرية؟ أليست هذه هي الحال بالضبط لدينا، نحن الإسرائيليين والفلسطينيين؟

ربما العكس هو الصحيح؛ فسبب الأزمة عندنا هو تشويش القومية وتشويهها. القومية الروسية التي تطرفت وتشوهت إلى قومية متطرفة إمبريالية؛ وقومية أوكرانية تم إضعافها وطحنها، إلى أن أصبح صعباً عليها الصمود كبنية أساسية لدولة مستقلة. حقيقة اللقاء هو بين هاتين الطفرتين المجهولتين، الأولى مضخمة جداً وغير منضبطة بصورة تشجع الزعرنة السياسية، والثانية متعبة جداً بصورة تجعلها غير قادرة على الدفاع عن نفسها من الأولى. هذه المواجهة هي التي خرقت التوازن وأدت إلى الاشتعال.

هذا هو الدرس الذي يمكننا تعلمه منها. فالطريق المسدود الذي وجدت إسرائيل والفلسطينيون أنفسهم عالقين فيه في السنوات الأخيرة ليس نتيجة زيادة القومية على جانبي المتراس، بل العكس؛ هو نتيجة اضمحلال القومية. التغيير في إسرائيل لا ينبع من نجاح اليمين أو اليأس من المفاوضات أو صدمة العمليات التي لم تنته بعد، أو من الربيع العربي.

القصة الكبيرة وراء الكواليس هي أفول القوميات. قد يظهر هذا كتناقض، لكن السلام عندنا ليس نقيض لفكرة القومية، بل استمرار ونتاج لها. يرتبط السلام في أساسه بالقومية، ويعتمد عليها. وعندما تتفكك القومية يبتعد السلام.

لم يكن السلام في يوم ما قيمة بحد ذاته في إسرائيل. ليس السلمية أو الأوهام حول العالمية بروح نصوص مثل “لا يحمل أممي السيف على أممي، ولن يتعلموا الحروب بعد ذلك”، كما قال النبي اشعيا، أو “تخيل” لجون لينون. الحلم بشرق أوسط جديد وأكل الحمص في دمشق لم تكن هي الأساس. الأساس لدى معظمنا كان التوصل إلى تطبيع قومي.. هدوء الجيران.. استقرار المنطقة.. اعتراف دولي.. شرعنة الصهيونية.. مناخ لمشروع السيادة اليهودية كي يستطيع التطور والازدهار.. حدود تضمن استقلالاً جوهرياً.. طبقة من الجلد تنقص جسم الدولة.. خلق شروط للهدوء الداخلي وتخفيف الشروخ داخل إسرائيل. عندما قلنا “سلام” كان القصد بالأساس كل هذه الأمور. وآمنا بأن أرضنا القومية ستضطرب بغياب السلام.

الذي تغير هو أن إسرائيل تقريباً، دون أن تعرف، تنزلق إلى عهد له خصائص ما بعد قومية. ما زال الخطاب قومياً – عاطفياً. حتى الذكريات الكثيرة والغرائز والنصوص والمواقف الرسمية والجيش الإسرائيلي، كل ذلك ما زال مهماً. ولكن عدداً أقل فأقل من الإسرائيليين يعتبرون القومية محوراً رئيسياً، أو المحور المهيمن في تحديد هويتهم.

ماذا سيحل مكان القومية؟ نصف الشعب أصبح يعيش ثقافياً بدرجة كبيرة خارج إسرائيل. مع فردية مفرطة، عبرية مشوبة بالإنجليزية، ومسلسلات أمريكية، وأسماء أجنبية للأولاد والاحتفال بالهالوين؛ النصف الثاني يغرق في الدين والتقاليد والهويات الطائفية – القبلية والقومية المتطرفة، التي هي -كما قلنا- تشويه للقومية. قسما الشعب مختلطان ومتداخلان بشكل متكرر. ولأن الخيال القومي يتآكل، فإن توقنا للسلام؛ أي التطبيع والاعتراف والشرعنة والسيادة والحدود والتنظيم الداخلي، يتآكل هو الآخر. هذه هي القصة وليس انتصار اليمين.

وثمة عملية مشابهة حدثت لدى الفلسطينيين؛ فالقومية الفلسطينية شكلت نفسها رداً على تحدي الصهيونية، إلى أن قامت دولة إسرائيل. إن الأمر الذي أبقى القومية على قيد الحياة بعد سنوات من الحضيض، هو النضال المسلح والانتفاضة الشعبية. عندما تم استنفاد هذه المرحلة لم يكن لـ م.ت.ف خيار عدا عن الذهاب إلى خيار السلام وحل دولتين لشعبين، الذي كان يمكنه إحياء القومية الفلسطينية المنهارة. عندما تأخر السلام تفكك الخيار القومي الفلسطيني وزال أمام الإسلام السياسي والعشائرية والنزعة الذرية والفوضى، التي اشتدت في وجه التشرذم الجغرافي والاحتلال. الآن إزاء كل ذلك، تبدو القومية الفلسطينية مشلولة. لذلك، فشلت في بلورة موقف ناجع في موضوع السلام.

في التسعينيات وبعدها، استدعت العملية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين حركتين قوميتين، في حين أن قوتهما لم تستنفد بعد، وأنبتت اتفاقات مؤقتة وتقريباً اتفاقاً دائماً، الذي تم أفشله أعداء القومية والسلام في الطرفين. يبدو الآن أن قوة القومية داخل الخط الأخضر وخارجه منهكة، ولا بديل لها الآن.

بقلم: رامي لفني

هآرتس 21/3/2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة نبض الوطن