ثقافة و فنون

عايدة: فيردي وفن الأوبرا في مصر

أوبرا عايدة من الأوبرات الإيطالية الخالصة، لغةً وموسيقى وأسلوباً، ولا يمكن اعتبارها أوبرا مصرية على الرغم من موضوعها المصري، لكنها تظل جزءاً مهماً من تاريخ مصر السياسي والفني، يتصل مع وجدان القليل، أو الكثير من المصريين، بصلات قوية لا تنقطع. فحكاية الأوبرا مستوحاة من التاريخ الفرعوني ونقوش منف، بواسطة عالم المصريات الفرنسي مارييت بك، الذي كلفه الخديوي إسماعيل، باختيار موضوع مصري يمكن تحويله إلى أوبرا، يتم عرضها في حفل افتتاح قناة السويس، وهو ما تعذر تحقيقه، بسبب تأخر شحن الملابس والديكورات إلى مصر. فعُرضت أوبرا «ريغوليتو» يوم افتتاح القناة، بدلاً من أوبرا عايدة، وكلاهما من تلحين الإيطالي جيوسيبي فيردي، الموسيقار المفضل لدى الخديوي إسماعيل كما يقال. أما من عمل على تحويل قصة عايدة إلى نص غنائي، وقام بصياغة الليبريتو، فكان الإيطالي أنطونيو غيزلانزوني.

الأوبرا في مصر

أراد الخديوي إسماعيل إذن أن تكون مصر موجودة في فن الأوبرا، وأن يوجد فن الأوبرا في مصر، وكان ما أراده، أوبرا عايدة. تلك القطعة الفنية الخالدة، بموسيقاها العظيمة، وآرياتها البديعة، والديكورات الفخمة، والملابس الفرعونية الساحرة، والدراما الثقيلة المعقدة والمتشابكة. وكذلك الباليه الذي يجد مكاناً لرقصاته المحدودة، داخل بعض أجزاء هذه الأوبرا.
عُرضت أوبرا عايدة، للمرة الأولى في تاريخها، على أرض مصر عام 1871، في الأوبرا الخديوية، وكان الخديوي إسماعيل حاضراً، ليرى حلمه الفني وقد تحقق، متجسداً أمام عينيه على خشبة المسرح، تلك التحفة الفنية، التي نشأت في ذهنه كفكرة تداعب خياله، ثم سعى إلى تنفيذها، وتكفل بإنتاجها، واختار مبدعيها، وكان سخياً في بذل الأموال إليهم، من أجل أن تتحول الفكرة إلى كيان فني لا يزال حياً إلى اليوم. ولا يزال ينقل إلى العالم بأسره، بعض جوانب الثقافة المصرية القديمة، والحضارة الفرعونية. وفي ذلك العرض الأول، كانت فرقة الجيش المصري الموسيقية، تشارك العازفين الأجانب في أداء بعض الألحان. وعلى الأرجح أن هذه المساهمة كانت مقتصرة على لحن موكب النصر، أو مارش الانتصار، وعدا ذلك كانت بقية عناصر العرض الأخرى أجنبية تماماً، من عازفين ومغنين، وممثلين وراقصين، ومنفذين.
وبعد أن شاهد الخديوي إسماعيل، العرض الأول لأوبرا عايدة، أراد ألا تبقى هذه التحفة الفنية، داخل الأوبرا الخديوية، يستمتع بها جمهور معيّن، يعد قليلاً ومحدودا مهما كثر وزاد، لذلك طلب أن يتم تعريبها، وعرضها كعمل موسيقي مصري، يكون ممتعاً ومتاحاً وسهلاً، يستطيع أن يخاطب جميع طبقات الشعب المصري بلغة يفهمونها وبموسيقى يتذوقونها وتكون محببة إلى أنفسهم. فكانت الرواية المسرحية الغنائية عايدة، التي قدمها الشيخ سلامة حجازي 1852 – 1917 على مسرحه. وألف ألحانها، ولعب دور بطلها الرئيسي راداميس. ويقال إنها كانت من أنجح رواياته الغنائية في ذلك الزمن البعيد، وليس معروفاً إذا كان قد تم تسجيل بعض أغنيات هذا العمل أم لا.

وقد ظلت أوبرا عايدة منذ عرضها الأول في مصر، تُقدم كأحد العروض الأساسية الثابتة، ضمن ريبرتوار الأوبرا الخديوية، قبل موتها حرقاً في بداية السبعينيات، واختفاء المبنى الأثري الفريد إلى الأبد من فضاء القاهرة. وكذلك لم تكن أوبرا عايدة غريبة على دار الأوبرا الجديدة، التي شُيّدت في مكان آخر داخل القاهرة، وافتتحت في نهاية الثمانينيات. كما تُعرض من حين إلى آخر، في أهم المناطق الأثرية في مصر، كأهرامات الجيزة، ومعابد الأقصر، حيث يبدو أبطال الأوبرا في هذه الأماكن، كما لو كانوا في أماكنهم الأصلية، وزمنهم الحقيقي الذي ينتمون إليه. فأحداث أوبرا عايدة تقع في مصر القديمة الفرعونية، وتحديداً في العاصمة ممفيس، وهي كدراما تعتمد على ثيمة الحب والحرب، وينشأ الصراع الأكبر فيها، من انشطار النفس التي يتنازعها حب الوطن من ناحية، وحب رومانسي لشخص من ألد أعداء هذا الوطن، وأشد محاربيه من ناحية أخرى.

الأوبرا والسياسة

وتتناول الأوبرا جولة من جولات الحروب والمعارك والنزاعات التاريخية، بين مصر وبلاد الحبشة، فبطلة الأوبرا «عايدة» هي الأميرة الحبشية ابنة ملك الحبشة، التي وقعت أسيرة في إحدى المعارك مع المصريين، وصارت وصيفة للأميرة المصرية «أمنيريس» ابنة فرعون. أما بطلها فهو المحارب المصري «راداميس» قائد جيش فرعون، الغارق في غرام عايدة، التي تبادله الحب، على الرغم من أنه يحارب أمتها، وبلادها ووالدها الملك، ويسعى إلى إلحاق الضرر بهم وإذاقتهم الهزيمة تلو الهزيمة، لكنها عند لحظة معينة، تتبع عاطفتها الوطنية، وتنصاع لأوامر والدها الملك، وتستغل حب راداميس لها، من أجل الحصول على بعض المعلومات الحربية المهمة، التي قد تساعد بلادها في الحرب مع مصر، ورغم ذلك يُهزم جيش الحبشة، ويُهزم راداميس أيضاً في اللحظة التي خان فيها وطنه من أجل الحب، ويُحكم عليه بأن يُدفن حياُ، في مقبرة تُغلق عليه إلى الأبد، وعندما يكون ذاهباً إلى مصيره الأخير، يجد عايدة تنتظره، وقد اختبأت داخل غرفة الدفن في المقبرة، لتموت معه.

وبالفعل يُغلق القبر عليهما، ليعيشا معا آخر لحظات الحب، إلى أن تأتي النهاية المحتومة. بينما خارج القبر، تقف الأميرة المصرية «أمنيريس» وحيدة، حزينة وباكية. تصلي من أجل حبيبها راداميس، الذي لم يبادلها الحب يوماً، وفضّل الموت في سبيل عايدة، على الحياة معها، ورفض أمام الملأ، منحة فرعون الكبرى، عندما أهداه ابنته أمنيريس، لتكون زوجة له. تكون أمنيريس أول من يكتشف علاقة الحب بين راداميس وعايدة، ورغم ذلك تحاول إنقاذه من عقوبة جريمة الخيانة، وتسعى إلى تخفيف الحكم وإبعاده عن الموت، وإبقائه على قيد الحياة، لكنها تفشل. وتظل تحبه حتى بعد تنفيذ الحكم، لا تفارق مقبرته ولا تكف عن الدعاء له، وهي لا تعلم أنه يعيش آخر ما تبقى من لحظات حياته، في أحضان غيرها.

أما صوت السوبرانو، فهو الذي يلعب دور عايدة، ويؤدي آرياتها، وهي في أغلبها آريات حزينة، تعبر عن ضعف عايدة كأسيرة. ورغبتها في التحرر والانتصار، والضعف أمام الحب أيضاً.. والتشتت بين ذلك الحب، والشعور بالولاء لوطنها، واختيارها لأن تموت مع حبيبها راداميس في النهاية.

على الرغم من أن الأوبرا تحمل اسم بطلتها عايدة، إلا أن البطولة الصوتية في هذا العمل، هي بلا شك للتينور، أي راداميس. ومن أشهر وأجمل من لعب هذا الدور، هو التينور الإيطالي لوتشيانو بافاروتي، حيث يتجلى جمال صوته الممتزج والمتناغم مع موسيقى فيردي، ويتوقد إحساسه، وتشتعل مشاعره مع كل آريا يغنيها، أما الأداء التمثيلي فلا يمكن الحديث عنه كثيراً عند بافاروتي. على العكس من التينور الألماني يوناس كاوفمان على سبيل المثال، ألف فيردي لصوت التينور أجمل ألحان الأوبرا، التي تعبر عن الحب والبطولة، وهزيمة القلب والندم، ومواجهة الموت، كما أتاح لصوت التينور استعراض قدراته ومداه الكبير.

وعلى رأس هذه القدرات بالطبع، نغمة «هاي سي» التي عندما تطالها حنجرة التينور، يكون لها وقع السحر على الجمهور، فهي كالهدف في مباريات كرة القدم على سبيل المثال، تتركز فيها كل مشاعر المتعة والإثارة والفرح، لهذا يصفق الجمهور بشدة، ولمدة طويلة عادة، بعد أن يستمع إلى تلك النغمة التي أداها التينور بمهارة.
أما صوت السوبرانو، فهو الذي يلعب دور عايدة، ويؤدي آرياتها، وهي في أغلبها آريات حزينة، تعبر عن ضعف عايدة كأسيرة. ورغبتها في التحرر والانتصار، والضعف أمام الحب أيضاً.. والتشتت بين ذلك الحب، والشعور بالولاء لوطنها، واختيارها لأن تموت مع حبيبها راداميس في النهاية. ولصوت الميتزوسوبرانو الذي يؤدي دور الأميرة المصرية أمنيريس، ألف فيردي ألحاناً عاطفية رقيقة، ذات شاعرية جذابة، تعد من أجمل ألحان العمل. ومن أروعها تلك الآريا التي تغنيها أمنيريس، وهي وسط وصيفاتها، اللاتي يعملن على تجميلها وتصفيف شعرها، وفق الطرق الفرعونية القديمة. وهي الآريا التي تتضمن رقصة من رقصات الباليه، وفيها أيضاً تجبر أمنيريس عايدة، على الاعتراف بحبها لراداميس، والإعلان عن العلاقة السرية التي تربط بينهما، وهي تفعل ذلك عن طريق الحيلة والخداع، عندما تخبرها بأنه قتل في إحدى المعارك مع جيش الحبشة، فتنهار عايدة ولا تستطيع إخفاء مشاعرها أو السيطرة عليها.
وفي هذا المشهد، وتحديداً في بدايته، عند اجتماع الوصيفات حول الأميرة، أبدع فيردي في موسيقاه، التي حاول أن يمنحها طابعاً خاصاً مختلفاً ومميزاً، لا يمكن وصفه بالشرقي، لكنه يوحي بثقافة مغايرة، وأنغام تبدو غابرة لكنها جميلة، تعبر عن قدم الحضارة المصرية. وفيردي بلا شك هو من أهم الموسيقيين في تاريخ فن الأوبرا على الإطلاق، ترتبط باسمه أوبرات مهمة ومشهورة ودائمة النجاح، كعايدة وعطيل ولا ترافييتا، كما أن بعض آرياته، يمكن أن تُسمع اليوم كألحان عصرية مبهجة مليئة بالجمال والحيوية. كما في الآريا المعروفة باسم «ليبيامو». وفي عايدة الكثير من الألحان الخالدة أيضاً، بداية من مارش الانتصار، الذي يكاد يكون لحناً وطنياً، يُعزف ويُسمع في مناسبات مختلفة، بعيداً عن الأوبرا وخارج نطاقها. وكذلك الموسيقى المهيبة الفخمة التي تصاحب دخول فرعون على المسرح، وتحث الجمهور على التصفيق في تلك اللحظة، وهو شيء لا يحدث كثيرا في الأوبرا التي لا يستقبل الجمهور أبطالها بالتصفيق بمجرد ظهورهم على خشبة المسرح. أما الافتتاحية الموسيقية التي تُعزف قبل رفع الستار، فهي بحق من القطع الرائعة، التي تمثل خير تمهيد للدخول إلى عالم أوبرا عايدة، وما أجمل تلك الثيمة الحزينة، التي تتكرر فيها، وتبدو كموسيقى مصرية بالفعل، بما فيها من شاعرية وشجن.
مروة صلاح متولي.

 مروة صلاح متولي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة نبض الوطن