منوعات

عن الشِّقاق بين الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي: ما الذي ينتظرنا عند مفارق عالم الفضاء الأزرق؟

لطالما كانت العلاقة شائكة وملتبسة بين مؤسسات الإعلام الجماهيري من تلفزيونات وصحف ومجلات ووسائل التواصل الاجتماعي، التي انتشرت في أيدي الناس، كما نار في الهشيم.
في البداية (فيسبوك انطلق 2006) توجس الإعلام من الآتي الجديد وكأنّه منافس مباشر، وتوقع كثيرون خفوت نار مؤسسات الإعلام الجماهيري لمصلحة الأشكال الجديدة من الإعلام وظاهرة كل شخص صحافي أو مراسل، ذلك قبل أن تنشأ رويداً رويداً صيغة للتعايش بين الجانبين، أقرب لتكامل الأدوار منها للصراع أو محاولات إلغاء الآخر، مع توفير قناة تغذية راجعة للإعلام من خلال منصات التواصل، وهي خدمة لم تكن تتوفر بتلك الكثافة والسرعة للإعلام الجماهيري في تاريخه كلّه. لكن هذه الصيغة الأخيرة من التعايش بدأت في التصدّع في السنوات الأخيرة لأسباب معقدة متداخلة، لعل أهمها متعلّق بالجدل المتصاعد حول المسافة بين السياسات التحريريّة العامّة للإعلام، ووجهات النظر الفرديّة الشخصيّة للعاملين في ذلك الإعلام، التي يودعونها صفحاتهم على منصات التواصل الاجتماعي. إذ وجدت عدة مؤسسات كبرى أن تأثير ثرثرة موظفيهم الخاصة على تلك المنصات بدأت تنعكس سلباً على توجهات مؤسساتهم، لا سيّما وأن بعض هؤلاء الموظفين بالغ في اتخاذ مواقف سياسيّة اعتبرت منحازة تجاه قضايا من المفترض أنّهم يغطونها بحياديّة – مزعومة – وربّما بما يتعارض مع السرديّة التي تسوقها تلك المؤسسات.
ولعل انتفاضة «الشيخ جرّاح» الأخيرة في فلسطين المحتلّة، والتي انتقلت من حدث إقليمي إلى مبارزة عالميّة على منصات التواصل الاجتماعي كانت القشة التي قصمت ظهر مرحلة التعايش – القصيرة – تلك. إذ أقدمت عدة مؤسسات إعلاميّة كبرى في ديمقراطيّات الغرب (سي إن إن الأمريكيّة ودي دبليو الألمانية وغيرهما) على فصل الموظفين أو تحذيرهم بشدّة جراء نشرهم مواقف مؤيدة لنضال الشعب الفلسطيني على صفحاتهم الشخصية في مواقع التواصل، ووصل الأمر ببعض تلك المؤسسات إلى طرد موظفين غردوا كلمات قليلة أو حتى أبدوا إعجابهم بمنشورات نشرها آخرون تأييداً لفلسطين قبل سنوات عديدة من التحاقهم بالعمل لدى مؤسساتهم الإعلاميّة، وذلك دائماً بحجّة المحافظة على الحياد والموضوعيّة!

يا صحافيي الإعلام الجماهيري اجتنبوا تويتر

وقد جدد دين باكيه، المحرر التنفيذي لـ»نيويورك تايمز» – أهم الصحف الأمريكيّة على الإطلاق والمنصة الإعلاميّة المتعددة الوسائط – جدلاً مستمراً منذ بعض الوقت بشأن تلك العلاقة الشائكة بين وسائل الإعلام الجماهيري الكبرى ووسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بعدما أرسل مذكرة إلى الصحافيين والإعلاميين العاملين في «التايمز» يعلن فيها عن سياسة «إعادة ضبط» كبيرة حول كيفية استخدام موظفي الصحيفة لمنصّة تويتر. وتدفع هذه السياسة الصحافيين إلى اجتناب استعمال تويتر، والحذر من إبداء آراء شخصية على مواقع التواصل الاجتماعي قد تضرّ بموقف الصحيفة و(موضوعيّة) طروحاتها.
وكانت هيئة الإذاعة البريطانيّة «بي بي سي» وهي واحدة من أضخم مؤسسات العالم الإعلاميّة قد سبقت «التايمز» النيويوركيّة قبل أكثر من عام في إصدار إرشادات محددة بشأن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل الإعلاميين العاملين في الهيئة، لإجبارهم على الحفاظ على الحياد. وتوجه الإرشادات الى عدم «التعبير عن آراء شخصيّة حول مسائل السياسة العامة أو القضايا السياسيّة أو الموضوعات المثيرة للجدل».
وطلب إلى الموظفين تحت طائلة التعرضّ لعقوبات ومنها الفصل «أنه يجب عليهم عدم تشويه سمعة «بي بي سي» أو انتقاد زملائهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وضرورة اتباع الإرشادات حول تجنب التحيز من خلال المتابعات أو الاعجابات أو إعادة التغريد أو غيرها من أشكال المشاركة على تلك المواقع» مع تنبيههم أيضاً إلى تجنب استخدام عبارات إخلاء المسؤولية مثل (هذه الصفحة تعبّر عن وجهة نظري، وليس بي بي سي) لأنها عديمة المعنى، ولا تمنع الربط بين الإثنين في أذهان المتابعين.
ونقل عن تيم ديفي، المدير العام التنفيذي للهيئة، قوله في معرض التعليق على السياسة الجديدة: «إذا كنت تريد أن تكون كاتب عمود أو ناشطا حزبيا على وسائل التواصل الاجتماعي، فهذا ربّما خيار صحيح، لكن يجب ألا تعمل حينها في بي بي سي».

دفاعاً عن حريّة التّعبير أو تغولاً عليها؟

نظريّاً، يمكن لمواقع التواصل الاجتماعي أن تلعب أدوراً مفيدة عبر تسليط الضوء على قضايا قد لا تحظى بتغطية التلفزيونات الكبرى والصحف ومنح المجموعات التي لا تحظى بتمثيل عام كاف صوتاً للتعبير عن أشواقها، لكنّها في ذات الوقت قد تدفع الإعلاميين إلى الاعتماد في صياغة تقاريرهم الصحافيّة بشكل مفرط على رغبات غرف صدى من جمهورهم الذي يصفق لهم دائماً، ويقلقون كثيرا بشأن ردود الفعل الممكنة على ما قد يكتبونه متعارضاً مع رغبات ذلك الجمهور المحدد.
وقد يتبنى بعض الإعلاميين المشهورين في مجالات معينة مثل الرياضة أو الثقافة أو الموسيقى مثلاً مواقف سياسيّة متطرفة في معارضة أنظمة أو سياسات عامّة قد تسبب الإحراج لمؤسساتهم الإعلاميّة لا سيما عند حدوث التقلبات السياسيّة أو عبر انتقاد آراء زملاء لهم، كما أن جمهور وسائل التواصل الاجتماعي قد لا يكون أفضل من يصدر الأحكام حول الأداء المهني الإعلامي أو الصحافي. لكن من الناحية الأخرى، فإن منع الإعلاميين من التعبير عن آراء شخصية قد يكون تغولاً على حريّة الأفراد، ومحاولة من إدارات تلك المؤسسات الكبرى للتهرّب من مواجهة الانتقادات على السرديّات التي تروّج لها والتي قد تكون – كما رأينا خلال انتفاضة الشيخ جرّاح – منحازة وبسفور لطرف دون الآخر.

الإعلاميون خارج رفاهيّة العمل في المؤسسات الكبرى

الخشية الآن أن تحذو مؤسسات الإعلام الجماهيري الأصغر حذو البيوتات الكبرى في فرض القطيعة على موظفيها مع مواقع التواصل الاجتماعي. إذ يتيح العمل مع إمبراطوريات مثل «بي بي سي» و«نيويورك تايمز» رفاهية الوصول إلى أعداد هائلة من المتابعين، كما توفر لموظفيها العديد من الطرق الموازية للوصول إلى القراء، عبر تقديم البرامج التلفزيونية، ومقاطع الفيديو «البودكاست» ونشر المدونات على مواقع تلك المؤسسات – «نيويورك تايمز» ليست مجرّد صحيفة وإنما هي الآن مؤسسة إعلاميّة متكاملة توفر محتواها عبر العديد من الوسائط المرئية والمسموعة والمقروءة معاً -.
ولذلك يمكن لهؤلاء الموظفين عمليّاً الاستغناء بشكل كليّ عن جدران فيسبوك أو تويتر. ويتقاطع ذلك بالطبع مع حقيقة أن مواقع التواصل الاجتماعي – الأمريكيّة تحديداً – لا توفّر بالضرورة أفضل فضاءات التعبير الحرّ بسبب سياساتها المُخجلة لإقصاء الآراء التي قد تتعارض مع مواقف إدارات تلك المواقع.
لكن هذه الرفاهيّة لا تتوفر للإعلاميين والصحافيين في مؤسسات محليّة أو إقليميّة تصل إلى عدد نسبياً محدود من المتابعين، مما يجعل من صفحات هؤلاء الشخصية وسيلة هامة لبناء سمعتهم المهنيّة وتوسيع دائرة انتشارهم.
فهل سيطلب من كاتب عمود مثلاً في جريدة محليّة لا تطبع أكثر من 10 آلاف نسخة أن يمتنع عن استعمال وسائل التواصل الاجتماعيّ؟
وحتى لو افترضنا أن النشر المتعارض على مواقع التّواصل الاجتماعي مع سياسة المؤسسة في القضايا السياسيّة غير مقبول، فماذا بشأن الاعتراضات المهنيّة البحتة في قضايا مثل الفصل التعسفيّ والتحرش الجنسي والعنصريّة العرقيّة أو الدينيّة، أو في حالات الكشف عن سوء الإدارة وخيانة المهنة؟ أليست مواقع التّواصل الاجتماعي في هذه الحالات نقطة قوّة للموظف الفرد الضعيف في مواجهة المؤسسات الجبارة؟

مؤسسات الإعلام مقابل وسائل التواصل: الحكاية في بدايتها

الحقيقة أن وسائل التواصل الاجتماعي – كما كل تكنولوجيا – لها وجوهٌ إيجابيّة وأخرى سلبيّة، وليست أمراً واحداً مصمتاً يمكن تصنيفه ضمن ثنائيّات صارمة بالخير أو الشر، الأبيض أو الأسود. واعتبارها كذلك من قبل المؤسسات الإعلاميّة يشبه القول مثلاً إن الماء سيىء لأن أحدهم غرق فيه. لكن الماء أيضاً هو شريان العيش. إنها بالفعل حكاية عصرنا، تتشكل أمام أعيننا، ولما تأخذ شكلها النهائيّ بعد.
فما الذي ينتظرنا عند مفارق الفضاء الأزرق غداً؟

 ندى حطيط

 إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: