تحقيق

قبر يوسف بؤرة للصراع مع استمرار اقتحامات المستوطنين له بحماية جيش الاحتلال

لم يكن يتوقع أحد أن يكون التصعيد الذي تم التحذير منه طوال الأشهر الماضية من جهات رسمية إسرائيلية سيكون من مقام يوسف في مدينة نابلس رغم أنه المكان الذي ينظر له الفلسطينيون على أنه “مسمار حجا” في خاصرة المدينة. وظل المقام طوال أشهر ماضية موضوعا منسيا وبعيدا عن الأخبار في ظل بعده عن التصعيد ليكون السؤال: كيف تسلسلت الأحداث إلى مواجهات عنيفة شهدتها المنطقة القريبة من المقام الذي يقع في حي بلاطة البلد شرقي مدينة نابلس وبالقرب من مخيماتها الرئيسية حيث نتج عنها سقوط شهيد فلسطيني وعشرات الجرحى في مشهد حول المنطقة إلى ساحة مواجهات عنيفة مع الاحتلال؟

الشهيد محمد حسن محمد عساف (34 عاما) من قرية “كفر لاقف” في قلقيلية الذي جاءت عائلته إلى مستشفى رفيديا محملة بالدموع والصراخ والغضب ما هو إلا فلسطيني واحد من عشرات الشهداء الذي سقطوا في المكان في مواجهات دامية خلال السنوات العشرين الماضية. وهو ما جعله يرتبط بالنسبة للفلسطينيين بذكرى سيئة وحالة من الشؤم مع كل تجدد للمواجهات.

بدأ الأمر في جنين ومخيمها اللذين حاصرهما الاحتلال وشن اقتحامات يومية بهدف اعتقال مطلوبين بعد عمليات فدائية نفذت في مدينة تبل أبيب وهو ما خلق حالة عارمة من الغضب الشعبي الذي امتد في مدينة نابلس ليصل المقام الذي ظل يعتبر بؤرة للصراع مع استمرار اقتحامات المستوطنين له.

رد فعل

ففي فجر الأحد الماضي قام فلسطينيون غاضبون باقتحام المقام المغلق وتحطيمه وحرق محتوياته ردا على تصعيد إسرائيل عملياتها في مدينة جنين ومخيمها. وفي تفاصيل الحادث، شارك عشرات الفلسطينيين في مسيرة انطلقت من وسط مخيم بلاطة للاجئين الفلسطينيين شرقي نابلس، تنديدا بالإجراءات الإسرائيلية. وحسب شهود عيان فإن المسيرة وصلت إلى “مقام يوسف”، في بلدة “بلاطة البلد”، حيث حطم المشاركون الأبواب ودمروا رخام القبر ومقتنياته، وأشعلوا النار في جزء منه.

وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، قال في تصريح صحافي إن “‏انتهاك حرمة قبر يوسف أمر خطير للغاية، وإسرائيل ستحرص على ترميم المكان، وإعادته إلى سابق عهده على وجه السرعة، واتخاذ كافة التدابير تجنبا لتكرار مثل هذا الحادث”.

الرواية الصهيونية تستند على القوة وليس على الحقيقة التاريخية والآثارية

وأضاف أنه نقل رسالة حادة إلى السلطة الفلسطينية، وطلب منها تكثيف تواجد قواتها في المكان فورا، واتخاذ الإجراءات بحق الذين نفذوا الاعتداء على القبر. أما رئيس مجلس مستوطنات شمال الضفة، يوسي داغان، فطلب من الجيش الإسرائيلي إعادة السيطرة على قبر يوسف. وفي فجر الاثنين الماضي أصيب مستوطنان بإطلاق نار بالقرب من القبر. وحسب هيئة البث الإسرائيلية فإن المستوطنين أصيبا بعد محاولتهما الوصول إلى المكان. وقالت الجهات الإسرائيلية إن المستوطنين دخلا إلى المنطقة بسيارتهما بدون وجود حراسة مشددة بهدف أداء طقوس دينية، لاعتقادهم بأنه قبر النبي يوسف عليه السلام، كما جرت العادة وأن مطلقي النار فروا من المكان.

محافظ مدينة نابلس اللواء إبراهيم رمضان اعتبر، في بيان صحافي، أن قبر يوسف يقع في الأراضي الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية وبالتالي فإنها هي من تتولى الاشراف عليه وحمايته وترميمه. وأشار الى أن المحافظة ستقوم بشكل عاجل بترميم وإصلاح الضرر الواقع في القبر ولن يتم السماح لأي جهات خارجية بالتدخل واصلاحه.

في حديث رمضان نجد تأكيدا أن نابلس مدينة “حاضنة للديانات الثلاث حيث يتعايش مواطنوها تحت راية المحبة والتسامح والسلام وتقع على عاتق المحافظة حماية الاماكن الدينية المقدسة واحترام الشعائر الدينية بغض النظر عن طبيعتها، وحيث أن القبر مسجل لدى دائرة الأوقاف الدينية والإسلامية كأثر إسلامي فإن حمايته والإشراف عليه هي من مسؤولياتنا”.

وتنفي الروايات التاريخية والعلمية صحة الادعاءات الإسرائيلية، وبتقدير جهات فلسطينية فإن عمر القبر لا يتعدى 200 عام، وأن القبر يعود لرجل مسلم سكن المنطقة قديما يدعى “يوسف دويكات”.

وحسب الباحث في التاريخ المحلي الفلسطيني غسان دويكات فإن المستوطنين كانوا يترددون على المقام قبل عام 1948م، ومنهم من تنكر بهيئة السياح، أما بعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية 1967م، فأخذوا بالتردد عليه في المناسبات والأعياد اليهودية فقط. ويضيف: “في العام 1941م قامت الشرطة البريطانية بحفر القبر الموجود في المقام، ولم يُعثر على أي رفات بشرية”.

وتابع: “بعيدا عن روايات التوراة التي يشكك فيها وينفيها آثاريون إسرائيليون مثل إسرائيل فنكلشتاين، نعلم أن أساس القصة هو استناد الرواية الصهيونية على القوة وليس على الحقيقة التاريخية والآثارية”.

إجراءات التهويد

وأضاف: “البناء القائم حاليا هو بناء إسلامي من الداخل والخارج، إذ يشتمل على محراب وأقواس، وكان مدرسة في النصف الاول من القرن العشرين، تعلم فيها بعض كبار السن من قرى روجيب وبلاطة وغيرها”. ويشدد دويكات أن الدولة العثمانية اعتنت بالمقام، وعينت له خادما. في العام 1904م كان خادم المقام من بلاطة البلد هو الشيخ فيض الله بن عبد الله الأسم، فيما كان والي نابلس مكلفا بتوفير لوازم المقام من زيوت وماء وغيره.

ويقدم دويكات سردا بالأعوام لموقف وإجراءات الاحتلال الإسرائيلي في المكان، ففي عام 1976 أقام الجيش الإسرائيلي نقطة عسكرية دائمة في المقام، أما عام 1986 فافتتحت فيه مدرسة دينية لتعليم التوراة، وفي عام 1988 حاول المستوطنون توسيع المقام والإضافة عليه، وفي عام 1990 أعلنت الحكومة الإسرائيلية إقامة نواة استيطانية فيه، وفي عام 1996 هوجم الموقع على خلفية هبة النفق، قُتل خلالها عدد من الجنود.

ومع بداية الانتفاضة الثانية عام 2000 وقعت اشتباكات عنيفة في محيط المقام بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي أدت إلى سقوط شهداء فلسطينيين وقتلى من جيش الاحتلال حيث اضطر الإسرائيليون للانسحاب من المقام، وقام شبان فلسطينيون غاضبون بتدمير أجزاء من القبر لكن السلطة الفلسطينية قامت بترميمه فيما بعد، ومنذ ذلك الحين يخضع القبر للسلطة الفلسطينية، غير أنه بقي نقطة صراع دائمة.

أما في عام 2015 فقد أحرق فلسطينيون المقام، ورفعوا العلم الفلسطيني عليه، ردا على استمرار المستوطنين اقتحام المسجد الأقصى، غير أن السلطة الفلسطينية عملت على إعادة ترميم المقام، وفرضت إجراءات أمنية مشددة في محيطة.

وانتشر صباح الأربعاء، وقبل ساعة من اندلاع لمواجهات في المدينة، فيديو طويل يضم مستوطنين يصلّون في المقام ويقومون بإعادة إصلاحه وترميمه بحضور جنود وضباط من جيش الاحتلال. وفور محاولة خروج المستوطنين الذين رافقتهم عشرات من دوريات الاحتلال اندلعت المواجهات الأعنف في المدينة التي سقط خلالها الشهيد عساف وأصيب أكثر من 17 شابا أحدهم في حال الخطر الشديد.

وفور انسحاب الجنود ودورياتهم وتركهم رائحة الدم والبارود كان يمكن للمارين معرفة حجم الغضب والتصعيد الذي جرى في المكان حيث المتاريس الحديدية والحجارة والإطارات المحروقة وحالة من الغضب العام على رحيل الشاب عساف الذي يعمل محاميا في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في شمال الضفة الغربية وطالب في مرحلة الماجستير في تخصص القانون العام. وسيكون على الفلسطيني أن يسأل نفسه والعالم: من الذي يبدأ بالتصعيد في سياق منطقة ملتهبة في أكثر من مكان؟

القدس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: