إستطلاع

قطيعة غير صحية بين قرطاج والإعلام

من حق الرئيس قيس سعيد أن يحتفظ بملف السياسة بين يديه لحين استكمال الخطوات التي وضعها في خارطة طريق التغيير ومن حق التونسيين من خلال إعلامهم وأقلامهم أن يكونوا على بينة بما يمس حياتهم.

ثمة قطيعة غير صحية بين قصر قرطاج والإعلام عموما والإعلام التونسي على وجه الخصوص. صفحة فيسبوك للرئاسة التونسية فعالة وتنقل أنشطة الرئيس قيس سعيد بالنص والصورة والفيديو. لكنه نقل باتجاه واحد لا يتيح للصحافة التونسية ما يكفي للتفاعل مع مرحلة من أهم مراحل التغيير التي تشهدها البلاد. الرئيس وضع خارطة طريق للتغيرات منذ أكثر من عام ومن الواضح التزامه بها حرفيا. لكن، لن نأتي بجديد حين نقول إن الإعلام، وخصوصا في جزئه الخاص بالصحافة، هو الوسيط لنقل رؤية قيس سعيد للتونسيين.

أسباب القطيعة مختلطة. لكن قرار الرئيس يبدو واضحا بأن لا يترك للصحافة مجالا للتدخل، أو التنظير، فيما يراه حقه الدستوري في وضع تونس على جادة الإصلاح. لا شك أن لديه بعض الحق في نظرته للأمر بحكم الاستقطابات الحادة التي تتحكم بالسياسة والإعلام في تونس. الصحافة الحزبية، إذا جاز التوصيف، هي لسان حال حزبها ووجهات نظر زعامة الحزب. لكن ليست كل الصحافة في تونس صحافة حزبية. قد تكون بعض المنابر المستقلة مخترقة حزبيا، ولكن هناك ما يكفي من الموضوعية والاستقلالية في الصحافة لكي يبادر السياسيون ويحملوها جزءا من مسؤوليتها الوطنية والأخلاقية في مرحلة دقيقة من تاريخ تونس المعاصر.

◙ التونسي مواطن ذكي عندما يرى الخليجي الثري قلقا على مستقبله ويرى دولا كبرى تتحرك بصعوبة في محاولة تأمين قوت شعوبها ودفئهم يدرك أن ما يحدث هو نتاج لأزمة أكبر من أزمة محلية

للإنصاف، عقدة العلاقة بين السلطة والصحافة في تونس لا تختلف عن حالة عامة تسود عالم الصحافة في منطقتنا. بعد أكثر من 30 عاما من العمل في الصحافة، أجد أن من حقي تشخيص طبيعة العلاقة للصحفي العربي العادي مع السلطة. هذا ليس حكما مطلقا، بل وجهة نظر. الصحفي العربي يعيش في منطقة رمادية في علاقته مع السلطة. حيرته معها أكثر من حيرة السلطة معه.

المجتمع يستعجل إطلاق الأحكام على الصحفي العربي، مثله مثل السلطة. ثمة استسهال في وضعه بخانة بيضاء أو خانة سوداء. هناك بالتأكيد صحفيون قد ورثوا صفة “شعراء البلاط”. هم مدّاحون لكل ما تقوم به السلطة، مقابل مكافآت أو عطايا أو مجرد الرضا. وهناك غوغاء يدورون حول القصر يصرخون ويشتمون ويرمون بالحجارة. مثلهم هو عدو لنفسه قبل أن يكون عدوا للسلطة.

لكن أغلبية الصحفيين العرب هم في المنطقة الرمادية بدرجاتها. عالم الصحافة مليء بالأوهام عن حريتها، بعضهم يصدق والآخر يغلق عينيه، لكن الهدف هو محاولة إيصال صورة لحقيقة ما يجري إلى المواطن، أو على الأقل نسخة من هذه الحقيقة. العامل المشترك عموما هو الحس الوطني والمسؤولية. البعض يجيد الموازنة بين الحس الوطني وتلك المسؤولية الأخلاقية التي تحملها فكرة نقل الحقيقة. الآخر، يتسرّع بسذاجة ويفقد الاتزان بحكم قلة الخبرة أو ضعف التدريب أو انعدام البيئة التي تربي صحفيا في مؤسسة محترمة.

هذا عالم الصحافة بمحاسنه وعيوبه وعلى المجتمع والسلطة التعامل معه. الصحافة مهنة مثلها مثل أية مهنة، تجتذب الجيد والرديء، لكن وجودها من ضروريات الصحة المجتمعية والسياسية في أي بلد. لو افتقدها بلد لسبب ما، على السلطة أن تسعى لخلقها ولو من العدم. لا حاجة للتذكير بمسمّى “السلطة الرابعة” الذي يطلق عليها. ولا حاجة للإشارة إلى أن محطات سياسية واقتصادية واجتماعية مهمة في تاريخ المجتمعات الحديثة كان للصحافة أثر في تشكيلها. لا تزال للصحافة القدرة على الضغط على المنظومة السياسية بما يكفي كي تجعلها تتجاوب في فتح تحقيق أو استبعاد سياسي أو حتى إقالة زعيم.

الصحافة بعيوبها ومحاسنها موجودة ولا يمكن مقاطعتها. ومن الضروري قبل هذا عدم الخلط بين الإعلام والصحافة. الإعلام موضوع آخر، اسمه يدل عليه. نشر أخبار الزعيم أو الحزب أو الحكومة يقع في دائرة الإعلام. التعليق على هذه الأخبار وتحليلها هما الصحافة. الموضوعية الإعلامية بابها نقل الخبر كما هو. الصحافة وجهة نظر تحاول أن تستجلي ما بعقل السياسي أو ما يتداوله المجتمع للعبور بين مرحلة وأخرى.

وهذا ما يحدث في تونس. إنها مرحلة عبور مهمّة. ومثل أي عبور، فإن المخاطر تحيط بالعابرين.

◙ عالم الصحافة مليء بالأوهام عن حريتها، بعضهم يصدق والآخر يغلق عينيه، لكن الهدف هو محاولة إيصال صورة لحقيقة ما يجري إلى المواطن، أو على الأقل نسخة من هذه الحقيقة

اكتسبت قرارات الرئيس السياسية قبل عام، من إقالة للحكومة وتجميد ثم حل للبرلمان، شعبية كبيرة لدى التونسيين. ومع إقرار الدستور الجديد والعمل على إطلاق المسيرة التشريعية ببرلمان ينتخب ضمن مواصفات مختلفة عن مرحلة ما بعد الثورة، يكون التونسيون قد وصلوا إلى المحطة التي يريدها الرئيس لانطلاقة في الحكم تتجاوز عثرات الماضي القريب. لكن مع تزامن الأزمة العالمية الخاصة بأسعار الوقود ومشاكل التوريد للمواد الغذائية، اشتبه الأمر على كثيرين وصار من الصعب التفريق بين تأثيرات الأزمة العالمية ومشاكل نتجت أو لم تنتج عن التغيير الذي يجريه الرئيس. الكلام رائج والتفسيرات متضاربة وقريبا ستزيد جرعة اللوم.

القطيعة بين السلطة والإعلام تعزز من الضبابية الراهنة ولا تخدم السلطة أو الشعب أو حتى الإعلام نفسه. والاستعانة بالتشريع أو القرارات قد تعالج ثغرات تنفذ منها الإشاعات والأقاويل من خلال آليات الردع. ولعل قرار الرئيس الأخير بعقوبات تطبق بحق مروّجي الأكاذيب أو زعزعة الأمن القومي فيه ما يكفي لمثل هذا الردع. لكنه لوحده، مع القطيعة المستمرة في التواصل بين السلطة والإعلام، سيزيد من البلبلة وسيقدم السلطة كمن يخفي شيئا ويحاول التكتّم عليه.

تونس اليوم في أمس الحاجة إلى أقصى درجات الشفافية. التونسي مواطن ذكي. وعندما يرى الخليجي الثري وهو قلق على مستقبله، وعندما يرى دولا كبرى تتحرك بصعوبة في محاولة تأمين أقوات شعوبها ودفئهم وكهربائهم، يدرك أن ما يحدث هو نتاج لأزمة أكبر من أزمة محلية تسبب فيها نقص الرصيد من العملة الصعبة أو مضاربات التجار.

من حق الرئيس قيس سعيد أن يحتفظ بملف السياسة بين يديه لحين استكمال الخطوات التي وضعها لنفسه ولبلده في خارطة طريق التغيير. لكن من حق التونسيين، من خلال إعلامهم وأقلامهم، أن يكونوا على بينة بما يمس حياتهم ومعيشتهم اليومية. هذه تكمل تلك لاستكمال العبور. وهذه لا تتم طالما استمرت القطيعة بين السياسي والصحفي.

العرب

د. هيثم الزبيدي

كاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: