تحقيقمجتمعمقالاتنبض الجالية

“ما نُريكم إلا ما نرى من رشاد” لسان حال أغلب القائمين على المساجد بإيطاليا

نريد أن تجتذب تلك المراكز والمساجد الطاقات الفاعلة وتستفيد منها كل في موقعه ومكانه، وتجتذب حولها المسلمين من مختلف الفئات والأعمار لِتَقِيَهم خطر التميع والتطرف والانسلاخ من الدين والهُوية أو الانجذاب نحو عصابات الجريمة والإرهاب، وبهذا تكون عنصرًا مهمًّا ثريًّا قويًّا من العناصر المكونة للمجتمع الإيطالي الحديث بجميع مكوناته وثقافاته.

 

  د. إبراهيم الفرجاني*
طال تأملي في حال بعض الإخوة القائمين على المساجد والمراكز الإسلامية في إيطاليا: هل يعملون خيرًا يثابون عليه، مع كثرة المآخذ عليهم سواء كانت مآخذ مالية أم إدارية أم خُلُقية، من نحو التشبث بسلطة إدارة تلك المراكز وإقصاء كل مريد للخير من أبنائها إذا شعروا في ذلك بتهديد لإدارتهم وسلطتهم، هذا فضلًا عن أخذ البعض منهم لمركزه أداة للتربح والكسب سواء من خلال ما يُضَخُّ من تبرعات أو ما يقام في المركز وحوله من مشاريع؟  وسبب حيرتي في إبداء الرأي فيهم ما أجده ويجده غيري في تلك المراكز من خير على هذا الدخن الذي يشوبه. فمن الخير الذي فيها: صلوات الجماعة، صلاة الجمعة وخطبتها، دروس العلم للرجال والنساء والأطفال، تعليم اللغة العربية والقرآن الكريم، اهتداء من يهتدي من غير المسلمين إلى الإسلام. نعم إن الدكتاتورية تجعل هذه الأشياء جميعها في أدنى مستوى من الإتقان لها، وربما إذا سمح للطاقات أن تعمل وللآراء الصحيحة أيًّا كان أصحابها أن تتحول إلى أعمال ومشاريع لعظمت الاستفادة وارتفعت درجة الإتقان والجمال لهذه الأمور جميعها، ولقام المركز بأدواره الدعوية والتعليمية والثقافية والاجتماعية على أكمل وجه وأجمله.
     أقول: يقضي على جمال تلك الأشياء وبلوغ غاية الإتقان فيها ما نراه في بعض مساجدنا ومراكزنا ــ ويشق عليَّ أن أقول أكثرها ــ من تحكم الجهل والدكتاتورية فيها. فهل هؤلاء يصنعون في الدنيا خيرًا بتحكمهم في تلك المراكز والمساجد، ويكفي في نظر البعض أنها دائمة العطاء على أيديهم وإن كان عطاءً قليلًا مشوهًا إلا أنه دائم؟ أم يستحقون الذم بما يمنعون عن الناس من كمال وجمال وإتقان وتأثير قوي إذا سمح للإمكانات العقلية والبدنية أن تعطي وتَهدي؟ هل ستسقط المراكز إذا تنحى هؤلاء عنها، وبدل استمرار الخير القليل المشوه فيها سينقطع الخير جملة وتفصيلًا، أم ماذا سيكون الأمر؟ ثم هل نحن نُحَمِّلُ هؤلاء فوق طاقتهم ونطلب إليهم ما هو خارج عن استطاعتهم إذا قلنا لهم دعوا المراكز أو على الأقل اسمحوا بتداول السلطة فيها خاصة إذا كانت تلك المراكز مصدرًا لرزق بعضهم صرحوا بذلك أم أنكروا؟ فلماذا إذن لا يعلنون أنها مشاريع خاصة رجوا الخير فيها بما ييسرون للناس من خير، وأن المشروع الخاص لا يسمح بتداول السلطة فيه كالشركات التجارية وغيرها! ولا عيب أن يصرحوا أنهم اختاروا هذا العمل رجاء مغنم الدنيا وثواب الآخرة بما فيه من تيسير العبادة على المسلمين. أو أن الرياسة أعجبتهم وصنعت لهم قدرًا ومكانة في محيطهم ولا يمكنهم أن يتخلوا عن تلك المكانة والرياسة لغيرهم لأنهم إذا فقدوا ألقابهم التي صنعتها لهم هذه الرياسات والإدارات فأي مكانة وأي قيمة تكون لهم بعد؟! ورحم الله المحدث الفقيه سفيان الثوري فقد أُثر عنه قولُه: ما رأيت زهدًا في شيء أقل منه في الرياسة، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإن نوزع الرئاسة تحامى عليها وعادى. أم أنهم يخافون على تلك المراكز الضَّيْعة والحَيْدة عن الطريق السوي من بعدهم؟!
فنحن إذن أمام أسباب ثلاثة لهذا الخَطَل الذي يكتنف العمل الإسلامي: حب الرياسة والحرص على الشرف والمكانة، إرادة التكسب والتربح بغير حسيب ولا رقيب، الخوف من انقطاع العمل أو تغير وجهته أو انتقاص جودته إذا تركه القائم عليه. ولكل منها دلائله التي سنذكرها بعد لكني أعجل الآن فأقول أن المعلن أمام الناس دائمًا من أمثال هؤلاء أنهم لا يتكسبون من مراكزهم، وأنهم جاؤوا بإرادة الناس وباقون بإرادتهم، وأن ليس لهم حظ دنيوي فيما يفعلون وإنما هي إرادة وجه الله والدار الآخرة! لكن الدلائل تشير إلى غير هذا ونقيضه.
   
   فمن دلائل حب الشخص للرياسة: تشبثه بها وإقصاء كل كفاءة يظن أنها يمكن أن تنافسه فيها، الانتقاص من الآخرين والتقليل من شأنهم وبخسهم حقهم، إغفال جانب تداول السلطة تمامًا وعدم الحديث عنه والالتفاف عليه ـــ كلما ثارت ثائرة البعض ـــ بإجراءات قانونية وإدارية الغرض منها أن يبقى فيها إلى أن يموت وربما أعد من يرثها من ذوي قرباه أو أوليائه وأنصاره من بعده. وتكفيه عظةً مَن أراد العظة ما رواه البخاري بسنده من حديث أبي هريرة عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ)).
  ومن دلائل التكسب والتربح مع ما سبق من دلائل حب الرياسة والاستئثار بها: الغموض التام أو الجزئي في الجانب المالي وعدم إطلاع أحد عليه والاحتفاظ بجانب منه خاص به وحده مثل حساب بنكي معين أو الاختصاص بمعرفة شخصيات معينة من المتبرعين مع الحرص أن لا يعرفهم ولا يتواصل معهم غيره.
ومن دلائل الخوف على المؤسسة من تغير الوجهة أو انتقاص جودة العطاء ــــ مع افتراض أنه لم يتخذ مؤسسته مصدرًا للتربح أو أنه محب للسلطة لذات السلطة ــــ إذا كان دافعه فقط الخوف على المؤسسة من انتقاص جودة العطاء، فإنك تراه يقدر الكفاءات ويطور دائمًا من كفاءة مؤسسته مع وضوح تام في الجانب المالي وإن كان هناك بعض الغموض في الجانب الإداري حتى لا يتمكن أحد من تغييره وإقصائه، ومثل هذا يكون الجمهور غالبًا راضيًا عنه ولا يطالب بتغييره، لكنه عزيز نادر؛ فإنك تجد كثيرًا من إدارات المراكز تدور على النوعين الأولين فهم إما محبون للسلطة لذات السلطة والمكانة وإما متكسبون متربحون مما ولاهم الله إياه والمسلمون؛ ولذا تجد كثيرًا من مراكزنا ومساجدنا تدور حول (الحد الأدنى من الجودة والتأثير والفاعلية في جميع أنشطتها)، لكن القائمين عليها لا يشعرون بذلك أو يشعرون لكنهم لا يظهرونه لأنهم بمعزل عن الآراء الناصحة والكفاءات المتخصصة ثم هم قد اعتادوا على تضخيم ما يفعلون بحسن التصوير والإخراج حتى ولو كان الواقع قليل القيمة رديء الأثر. قاتل الله عالم الصورة والفيديو؛ فقد سحر أعين الناس واستلب ألبابهم وبلبل أفكارهم وأفسد نياتهم!
 
    مَن أراد من الناس أن يكونوا ملائكة فقد ظلمهم وكلفهم مالا يطيقون، فكيف نريد إذن من رؤساء المراكز الإسلامية ومديريها أن لا يتمنوا أن تدوم سلطتهم ومكانتهم في مجتمعهم الإسلامي وكذلك في المجتمع الإيطالي خاصة عند أهل السلطة منه! ثم كيف نطلب من مدير أو رئيس تفرغ لإدارة مركزه ورئاسته أن لا يتكسب ويتربح منه وربما فتح كذلك للمقربين منه باب الوصول والتكسب والتربح خاصة إذا كانوا أكفاء لما رُشِّحوا له من أعمال ولا يوجد من هو أكفأ منهم! كل هذا لا مشكلة فيه لكن المشكلة حين يكون الغموض والتشبع بما ليس فينا، من أننا نقوم بكل هذا في سبيل الله لا نبتغي من الناس جزاءً ولا شكورًا، والمتشبع بمالم يعط كلابس ثوبي زور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فلماذا لا تكون رئاسة وإدارة المراكز الإسلامية وظيفة كسائر الوظائف يُعطَى من يقوم بها راتبًا على عمل معين يقوم به ويكون مسؤولًا أمام أهل الحل والعقد والرأي في مركزه هل يقوم بواجبه كما ينبغي أم لا؟ وهل نجح في تكوين إدراة متخصصة تُعنَى بجميع نشاطات المركز أم لا؟ وإذا قصَّر دٌعم أو عوقب لكنه يكون آمنًا من الترك أو انتهاء العقد خاصة عند كبر سنه وانقطاع أمله في عمل آخر يُدِرُّ رزقه، ثم بعد سن معينة يحال للتقاعد كغيره من أصحاب الأعمال والوظائف ويفسح الطريق لغيره من السواعد والطاقات.
   
   إذن لِمَ لا يجري الأمر على طبيعته هكذا: مؤسسون يؤسسون المركز يختارون من بينهم مديرًا له يُعلم من اليوم الأول أنه عمل له راتب، ويقوم هؤلاء المؤسسون بتكوين مجلس شورى ومحاسبة من أهل الرأي والمشورة في المركز جامعًا بين مختلف التخصصات والفئات السنية من شيبة وشباب، ويكون للمجلس هذا عدد معين كلما نقص لسبب عُوِّضَ من أهل الخبرة والكفاءة ولابد أن يكونوا من أهل المركز المتواجدين فيه المستفيدين بأنشطته. كذلك يكون هناك مجلس إدارة كفء معلوم للناس له عدد معين يعوض كلما نقص وينتخب بصورة دورية تحت إدارة (المدير الموظف) الذي يقوم بعمله كمدير مسؤول أمام مجلس الإدارة ومجلس الشورى كذلك. بهذا يكون المدير قد اطمأن على أنه لن يفقد رئاسته ومكانته، كذلك له راتب نظير تفرغه أو عمله الإضافي في إدارة المركز، لا مَنًّا على الناس ولا تسلطًا عليهم ولا استئثارًا بالأمر دونهم، فمَن بدَّله بعدما التزم به فإنما إثمه على الذين يبدلونه.
 
   إن المراكز الإسلامية لا غنى للمسلمين عنها وفيها خير كثير ولاشك؛ ففيها نقيم شعائرنا، ونشعر بكياننا، وتُحفظ هُويتنا، ونتعلم شرائع ربنا وسنة نبينا، ويتعلم شبابنا وأولادنا دينهم من خلال دروسها ومناشطها، وفيها يتعرف غير المسلمين على الإسلام والمسلمين، لكن هناك فرق كبير بين أن تكون (مراكز الحد الأدنى) من ذلك كله وبين أن تعمل بكامل طاقتها وفاعليتها. وهذا ما نريده، نريد أن تجتذب تلك المراكز الطاقات الفاعلة وتستفيد منها كل في موقعه ومكانه، وتجتذب حولها المسلمين من مختلف الفئات والأعمار لِتَقِيَهم خطر التميع والتطرف والانسلاخ من الدين والهُوية أو الانجذاب نحو عصابات الجريمة والإرهاب، وبهذا تكون عنصرًا مهمًّا ثريًّا قويًّا من العناصر المكونة للمجتمع الإيطالي الحديث بجميع مكوناته وثقافاته.
أريد أن أعود الآن إلى السؤال الذي طرحته أولًا وهو: هل يقدم هؤلاء الإخوة خيرًا يثابون عليه بقيامهم على أمر تلك المراكز مع ما في إدارتهم من غبشٍ ودخنٍ وما يقوم به البعض منهم من مخالفات إدارية ومالية وخُلُقية؟
  أمَّا الثواب والعقاب فهذا ليس لي ولا لك، لأن الله لا يثيب ولا يعاقب على العمل الظاهر فحسْب وإنما يَعْتَبِرُ مع ذلك النوايا، ويبارك في العمل على مقدار ما فيه من صلاح أو فساد ((فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ)). ثم هناك ما يحيط بالعمل من ظروف وملابسات تزيد في الثواب أو العقاب وتنقصه أو تمحوه، وكل ذلك يعلمه الله وحده؛ لذلك فمسألة الثواب والعقاب متروكة للمولى جل وعلا. هذا، وقد يجتمع الثواب والعقاب على المرء في عمل واحد كالصلاة في الأرض المغصوبة مثلًا عند جماهير أهل العلم، وذلك إن لم تحبطه النية الفاسدة بالكلية؛ فيثاب المرء على ما في عمله من خير ويعاقب أو ينقص من ثوابه على قدر ما في عمله من شر، ((فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)).
*باحث وكاتب إسلامي مقيم بإيطاليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة نبض الوطن