ثقافة و فنون

مجهولونَ…قصيدة لشاعرة عراقية

يفرُّ سمعي من الأصوات البربريَّة إلى القصائدِ
حيثُ أراهُ يركضُ ويركضُ
أبقى حزينةً ويديّ تتعثرُ بالأشعارِ
ينكروني، يتهموني وأنا هلاميَّةٌ
لا علاقةَ لي بالفظائع الفادحة!
تنتشرُ الأصوات أكثرُ
أجدُ ترديدي للكلماتِ يصدحُ،
الشِّعر هو مَن أنقذني أم أنا مَن أقتحمتهُ وفرضتُ اِنتشالي؟
كم رأيتُ بربريين من قبلُ
في زحمةِ الحياةِ وحتّى في خلواتي
هؤلاء لِمَّ يلوثونَ ذاتي، وتفزعُ عيناي منهُم؟
لا أريدُ أن أُنكر وأُتهم في الاِغترابِ
فيزدادُ على قلبي الظّلامُ والوحشة.
أغلقُ في الأخيرِ نافذة الحياة
خوفًا من رؤيةِ الغرباء الواردين
من تسلّل الأصوات أو التمتمات الخبيثة
إلى ركودي الصّامت، الّذي يختلسُ النّظر والإصغاء.
تبكيني زنابق الحي عندَ مروري
فآثار ما فررتُ منهُ يرسمُ ملامحي من جديدٍ،
أزورُ حانةَ المآسي أثناء التّيه إلى الصّواب
يرثيني الكأسُ ويتسربُ من أسفلهِ النّبيذ المُحمّر
وبينَ هذهِ المشاهد تغيبُ الأنا مذعورةً.
ثقلت وطأةُ الجميعِ عليَّ
وتفخمت الوحدةُ الباقية لي
يرقدُ في ذهني صدى مُخيفٌ
لا أعلم إن كانَ من أولئكَ الباردين أو من نسيجِ أوهامي؟
النفسُ مأساةٌ، شديدة التّقلّبِ
مثلُ زرقة السّماءِ إذا أقبلَ الغسق.
تئنُّ حشرجاتٌ في صدري
وعندَ غياب الشّمسِ تتفاقمُ علّتي
وفي الظلِّ أغدو هياكل مُميتة
حتّى أحلامي تفترسُني، لَعُمري أنّي شبحٌ
لكنّهُ شبحٌ حزين، يتراكمُ الغبارُ عليهِ!
أيُّتها الشّجنةُ الغريقة، تقولُ الوحدةُ
لو أنكِ واجهتيهم واستلسمتِ لأصواتهم
لنسيتِ الآن الحقيقة ولَمْ تلاحقكِ نبراتِهم.
وا أسفاه على عُمركِ المُحترق، يندبُني الشّتاءُ
مُتناسيا أنُهُ أنكرني وتجاوزني دونِ إطفاء،
وثلوجه المُتعجرفة لَمْ تمنحني سوى الاِرتجاف
يقصيني الدفء من كُلِّ الفصولِ المُعتدلة
جاعلًا من خوفي وبرد روحي علامةً تلتصقُ بي.
أقبحُ من موتي المُستمر
هو هروبي الباعث لولادةٍ مَشُوبةٍ بالكآبة،
الإدراك الحادّ جزءٌ من عناصر الدّاء
ورغمَ صدّي عنهُ إلّا أني الأكثرُ تعاسةً على الإطلاق
لا أحدَ يملكُ أقسى من حياكتنا المُتشعِّبة،
لون عينيَّ يذرفُ شظايا دمعيَّةً تمزقُ الجفون
ثُمَّ «يفرُّ، يلوّحُ مُنكسرا إلى الدّاخلِ»
مُتجمدة كالأشجارِ العاريّة أمامَ هبوبِ الرّيح
كانتْ بلا أوراق وأنا بلا جدار، إذن من يحمينا الآن؟
لا تقل إني أملكُ جدران
بعدَ أن أوصلت أصواتهم السّامة
أطلبُ المُساعدة الهائلة، عواء الذئابِ يشتدُّ
ولا أستطيعُ الدفاعَ عنّي من خلالِ الجليد المُتلألئ.
أمستْ بلدتي هادئةً بهيّةً كي تشعرَني بخطيئتي
وأن ولادتي ووجودي لَمْ يكن يوما مُباركا،
وحدي مَن يتألّمُ، الرّبّ لن يتذكّرَني والحياة لن تكونَ موثوقةً
المصابيح الفضيّة بوجهيها، الخافت واللّاهب
أعرضت عن إضاءتي
آه يا يسوع، الخلاص، الخلاص!

شاعرة عراقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة نبض الوطن