العالم العربي

معضلات تونس: من فشل إلكتروني إلى هبوط ائتماني

انتهت قبل يومين المهلة القانونية للمبادرة التي أطلق عليها الرئيس التونسي قيس سعيّد تسمية «الاستشارة الوطنية»، واعتبرها المرحلة الأولى من مشروعه السياسي، وحدد هدفها في استطلاع آراء المواطنين عبر منصات إلكترونية بصدد مسائل سياسية ومعيشية واقتصادية واجتماعية وصحية وتعليمية. غير أن المبادرة انتهت إلى فشل واضح، إذا لم يكن ذريعاً، فلم يشارك في التصويت سوى قرابة 6% من كتلة الناخبين، أي حوالي 500 ألف من أصل 7 ملايين ناخب، وذلك رغم توجيهات الرئاسة إلى الحكومة بفتح الإنترنت مجاناً للمواطنين.
وكعادته منذ الإجراءات الانقلابية التي اتخذها أواخر تموز/ يوليو السنة الماضية، لجأ الرئيس سعيّد إلى اللغة الخشبية في تفسير أسباب الفشل، فعزاها أولاً إلى «صعوبات فنية» وكأن مستشاريه في تصميم تلك المبادرة أقنعوه بأن أي صعوبات لن تكتنف العملية، كما علّق عزوف المواطنين على مشجب جهود «مقصودة من الذين يريدون تكميم الأفواه وإجهاض هذه التجربة الأولى من نوعها في تونس».
ولكن التفسير المنطقي الوحيد هو أن غالبية ساحقة من المواطنين لم تقتنع أصلاً بجدوى المبادرة، كما أنها أكثر غرقاً في هموم المعيشة والاقتصاد والجائحة والغلاء والتضخم من أن تنشغل بأوهام استفتاء إلكتروني لا يقدم ولا يؤخر.
على جانب آخر من معضلات تونس الراهنة المستعصية، أعلنت وكالة فيتش الدولية للتصنيف الائتماني تخفيض مستوى تونس السيادي من مرتبة B- إلى CCC، واعتبرت الوكالة أن هذا الإجراء يعبّر عن مخاطر السيولة المالية الآخذة في الازدياد، وكذلك استمرار التأخير في إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي كان يُنتظر أن تبلغ قيمته أربع مليارات دولار أمريكي، ويظل مرهوناً بنجاح تونس في إنجاز التوافق السياسي والاستقرار الاقتصادي. كذلك توقعت الوكالة أن يصل عجز الميزانية إلى مستوى مرتفع يبلغ 8,5% من الناتج المحلي الإجمالي للعام الحالي 2022، مقابل ارتفاع حجم الدين العام إلى 84,0% هذه السنة، و84,7% في السنة المقبلة.
وكان طبيعياً أن فشل «الاستشارة الوطنية»، وتخفيض قيمة تونس الائتمانية، وتراكم المزيد فالمزيد من مشكلات البلد البنيوية، سوف يقترن تلقائياً بتفاقم القيود على الحريات العامة والحقوق المدنية، كأن تلجأ السلطات إلى اعتقال صحافي لأنه استخدم حقاً دستورياً برفض الإفصاح عن مصادر معلوماته، أو أن يقرر والي تونس حظر التظاهرات في شارع الحبيب بورقيبة رغم القيمة الرمزية لجادّة شهدت تظاهرات 2011 التي أطاحت باستبداد زين العابدين بن علي.
وفي غضون هذه الوقائع كلها تبدو حكومة نجلاء مودن أقرب إلى مكتب تصريف أعمال قصر قرطاج وتنفيذ أوامر الرئيس وتعليماته، منها إلى حكومة تتولى التعيينات أو الإقالات أو قرارات الحد الأدنى للأجهزة الوزارية أو تنفيذ أي من الوعود الـ17 التي قطعتها على نفسها في بيانها الأول.
ولا غرابة أن الحكومة بلا وجود تنفيذي فعلي وملموس إذا كان سعيّد هو الآمر الناهي، والحكومة لم تنل أصلاً ثقة البرلمان المعطل، وهي خارج أي إطار رقابي من السلطة التشريعية أو حتى القضائية.

القدس العربي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة نبض الوطن