مقالات

ملك الكرة: الوجه السياسي والأفريقي والعربي لبيليه

أنجز اللاعب البرازيلي الراحل بيليه ما لم ينجزه غيره رياضيا، فقد تمكّن من تحقيق ما يشبه المستحيل بتمكين بلاده من الفوز ثلاث مرات بكأس العالم لكرة القدم، ولكن إنجازه لم يتوقف عند عالم الرياضة، فقد انتهى الأمر به، كما يقول الكاتب نيلسون رودريغز، إلى «تشكيل الأمة الحديثة التي هي البرازيل»، وذلك بإعطائه معنى، وإلهاما لشعبه، من الأشخاص العاديين إلى الرؤساء.
لم يكن بيليه اللاعب الأول الذي يتحدر من أصول أفريقية في المنتخب الوطني لبلاده لكن أسطورته ساهمت في مكافحة التقاليد العنصرية القوية في البرازيل، التي كانت تعاني من عقد النقص تجاه المتحدرين من أصول أوروبية، والاساءات للخلاسيين، من الأصول المختلطة، وللتنميطات البائسة التي تقرّر شخصية المرء من أصله أو لون جلده.
تجاوز تأثير بيليه، أيضا، بلاده، وقارة أمريكا اللاتينية، ليصبح رمزا للانعتاق والتحرر من السياسات الأوروبية الموجهة عنصريا ضد السود والأقليات والفقراء، كما غدا ذا أهمية كبرى في أفريقيا، حيث كتبت مقالات وحتى قصائد تحيّيه باعتباره بطلا لمناهضة العنصرية، وفي أنحاء العالم، باعتباره رمزا للتحرر من الاستعمار.
تمتّع بيليه بشهرة كبيرة في العالم العربي، وكانت أول زياراته لبلد عربي إلى الجزائر عام 1965، ومن المصادفات المثيرة للتفكير أن هواري بومدين، الذي كان رئيس أركان الجيش الجزائري حينها، كان قد خطّط لانقلاب عسكري في يوم لقاء بيليه بالرئيس الأول للجزائر بعد الثورة، أحمد بن بلة، واضطر بسبب ذلك اللقاء لتأجيل الانقلاب يوما واحدا، فكانت صورة بن بلة مع بيليه، الأخيرة له وهو في الحكم.
زار بيليه مصر مرتين، عام 1972 وعام 2014، كما زار السعودية والبحرين عام 1971، وقطر عام 1973، وواجه، مع فريقه سانتوس، فريقها الأهلي، كما زار الكويت في السنة نفسها، وخاض مباراة ودية فيها، وقد انتهى الأمر بجاسم يعقوب، لاعب الفريق الكويتي، ملقبا «بيليه الكويت»، بسبب تسجيله هدفا في تلك المباراة، وتابع بيليه رحلته في تلك السنة ليزور السودان، فيما زار المغرب عام 1976، والتقى خلالها باللاعب الشهير العربي بن مبارك، الذي قال بيليه إنه كان أحد ملهميه.
يجب القول، مع ذلك، بأن تاريخ بيليه سجّل بعض المواقف التي تحتسب على سيرته، وأنه لم يتمتع بصلابة الرياضيين الشهيرين، محمد علي، ومارادونا، وخصوصا في الفترة التي حكمت فيها الدكتاتورية العسكرية البرازيل بين 1964 و1985، وبسبب شهرته الهائلة، فقد حاولت السلطات السياسية استغلاله، كما أنها قامت بالتجسس عليه خلال رحلاته الخارجية.
في أحد البرامج الوثائقية حول اللاعب الشهير، قال أحد زملائه القدماء، إن تصريحا واحدا منه كان سيغيّر الكثير، وأن سلوكه كان سلوك الرجل الأسود الخاضع، لكنّ البعض يعزو سلوكه في تلك السنوات إلى الضغط الهائل الذي مارسته السلطات عليه، وأن تصريحا منه ضد الحكام كان سيعتبر أمرا شديد الخطورة وقد يؤدي به إلى القتل.
إعلان بيليه عن «حياده»، والأفعال السياسية التي لم يستطع إنجازها، أو تحمّل تداعياتها، هي نوع من الدليل على الأثر البشع للدكتاتوريات، وهو أمر لا ينتقص، أبدا، من المساهمة الكبرى التي قام بها في تغيير السياسات في البرازيل، وكذلك في العالم.

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة نبض الوطن