حوار و تعليق

موقف الصين من العملية الروسية الخاصة

بقلم الأكاديمي مروان سوداح، متخصص في شؤون الصين ورئيس الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتاب العرب أصدقاء وحلفاء الصين – الأردن.

من الطبيعي جدا أن يكون موقف جمهورية الصين الشعبية التي تحدها حدود طويلة مع روسيا، وترتبط معها بروابط سياسية وإستراتيجية، تجارية واقتصادية عديدة وعميقة، وغيرها من التقاطعات التي ضمنها التاريخ الأخوي العريق، والتنسيقات الراسخة بين الزعيمين التاريخيين فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ، والوصال الشخصي الحسن والقوي بينهما، وتفاهمهما بما يخص قضايا كونية وإستراتيجية تتصل بأوضاع بلديهما، ومستقبلهما في عالم أمواجه متلاطمة بجريرة المؤامرات الغربية. أقول، الصين لم تقف ضد العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا، ولم تشجبها، ولم تنتقدها، وهذا إنما يعني أن بكين تدرك تمام الإدراك أبعاد الأطماع الأمريكية والغربية في أوكرانيا وروسيا، وامتداد هذه الأطماع إلى الصين التي يتوق “الأنغلوساكسون” للعودة إليها برماحهم القتالة.

نبدأ أولا بالبيان الذي وقعته الصين وروسيا في زمن سابق، وهو يحدد القيم الرئيسية التي أعلنها كلا البلدين، ويتصل ذلك بصورة رئيسية بالدعم المتبادل المُطلق بينهما. وفيه، أعلنت الصين دعمها لمنع حلف “الناتو” من التوسّع إلى الشرق. في الوقت نفسه، اعترفت روسيا بموقف “الصين الواحدة”، فيما يتصل بجزيرة تايوان.

الصين لم تعارض ولم تقف ضد الأهداف الروسية المحدودة في أوكرانيا، لا علانية ولا في سياستها ودبلوماسيتها مع روسيا وغيرها من الدول، ولم تشجبها كما يتمنى ويَحلم البعض في الغرب وأشياعهم في الشرق، ذلك أن العملية الروسية واضحة الأهداف، محدودة وشرعية، ويتم الإعلان عن كل ما يتعلق بها بكل وضوح، وأولى مراميها إجتثاث شأفة وأصول النازيين الجدد من جذورهم، كونهم يهدفون فعلياً ومن خلال عمليات إجرامية يندى لها جبين الإنسانية، إلى إحياء المجرم “هتلر” من قبره، وتبييض سمعته وصفحته الملطخة بالسخام والدماء التي نزفتها أجساد مئات ملايين الشهداء الأبرياء في الحرب العالمية الثانية، الذين قتلهم النازيون بوحشية تشبه وحشية الغابة، حيث يعيش من يدب على أرضها وما يطير في فضائها على القتل ليحيا هو دون غيره.

في الحرب العالمية الثانية على الجبهة السوفييتية الألمانية النازية، قتل النازيون الألمان والفاشيون الإيطاليون والعسكرتاريون اليابانيون أكثر من 27 مليون مواطن روسي ومن مختلف قوميات الاتحاد السوفييتي السابق التي كان عددها كبيرا، نحو ثلاثمئة عرقية. الصين تتطلع بالطبع لوقف العدوان الأوكراني والعنصرية القومية الشوفينية الأوكرانية الفالتة من عقالها، وبخاصة كتائب “أزوف” الذين تحالفت اليابان العسكرتاية مع أجدادهم النازيين والفاشيين، في محاولتها لإعادة احتلالها للشرقين الروسي والصيني.

الصين الحكيمة وذات السياسة والدبلوماسية الهادئة، تدرك جيدا سياسة الغاب الغربية، التي تحيا في الأدغال المتوحشة وليس في مجتمع إنساني متحضر؛ فلطالما ناضلت الصين منذ تحرير أرضها من الاستعمار الانجليزي، وتأسيس الدولة الصينية الاشتراكية الشعبية؛ ولهذا حيدت بكين الإرهابيين المدعومين من الدول الإمبريالية، وما تزال حتى هذه اللحظة تنظف بيتها من تدخلات هؤلاء المرتبطين بأجهزة عسكرية وإستخبارية أجنبية، لا سيما في غرب الصين.

سياسة الصين تتسم بالهدوء والتأني، واختيار المفردات الدبلوماسية لديها دقيق للغاية ويخضع “لميزان ذهب”. ولهذا، فإن أي تصريحات صينية وإن كانت بلهجة غارقة في الدبلوماسية واللباقة والكياسة، إنما تحمل في طياتها معاني أعمق من عميقة، وأبعادا بعيدة تؤشر على واقعية وموضوعية الموقف الرسمي للصين. والمثال على ذلك، عندما تصرح المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، “هوا تشون ينغ”، ب “وجوب أخذ مخاوف روسيا المشروعة في الاعتبار، وتذكيرها ببيع الأسلحة الأمريكية إلى كييف.. وإن الصين ترى في  روسيا دولة مستقلة ويمكنها تحديد إستراتيجيتها بناء على مصالحها، إنما يعني موقفا صينيا إيجابيا للغاية وواضحا لجهة دعم استقلال وسيادة روسيا على نفسها، وشرعية الرد التي تراه مناسبا على من يستهدفونها.

 تكتب صحيفة (ساوث تشاينا مورنينغ بوست) الصينية، بأن الصينيين “يتفهمون قلق روسيا على أمنها القومي والهدف من عمليتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا”، وبأن الغالبية العظمى من الصينيين يعربون عبر شبكات التواصل الاجتماعي الصينية عن فهمهم المستفيض لتصرفات روسيا في أوكرانيا، إنما يؤكد ذلك “إدراكهم أن كلا من بلدهم وروسيا أصبح هدفا للغرب بقيادة الولايات المتحدة” كما أشار البروفيسور في جامعة آلبورغ الدنماركية (لي شينغ)، الذي لفت إلى أن “الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ينتهجان سياسة “المعايير المزدوجة” حيال العديد من القضايا العالمية”. وفي ذات الموقف كتبت صحيفة “غلوبال تايمز” الصينية تشير، إلى إن الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها في الناتو، يقدمون مساعدات عسكرية لأوكرانيا لإطالة أمد الصراع، ومضاعفة أرباح الشركات الصناعية العسكرية الغربية، وهذا يؤكد على أن الصين تدرك تماما مدى تهديدات الغرب برمته لها، وهي تأخذها بالحسبان.

 اللافت للانتباه أيضا في السياق الدبلوماسي الصيني الهادئ، دعم بكين الواضح لنهج موسكو، إذ سارعت بكين في وقت سابق، إلى تجديد مطالبتها الولايات المتحدة والناتو بإجراء حوار مع روسيا، بدلا من بدء حرب باردة جديدة، حيث نوه المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية (وانغ وين بين)، إلى أنه لا ينبغي أن تكون هناك معايير مزدوجة في التعامل والعلاقات الدولية، و”يجب الدفاع عن سلام أوروبا واستقرارها، واحترام مخاوف روسيا الأمنية المشروعة”.

(ملاحظة المحرر: يعكس هذا المقال وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي قناة CGTN العربية.)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة نبض الوطن