تكنولوجيا

نعمة الإنترنت وخيره وشره

ذ. أحمد براو*

 

شيئا فشيئا وجدت نفسي مضافا إلى العديد من مجموعات واتساب وتلغرام و هولدينغ ميتا وما شابهه، وأصبحت منخرطا في العديد من تطبيقات التواصل الإجتماعي؛ انستغرام ولينكد إن وسناب شات وجوجل ويوتيوب وتيكتوك، بالإضافة إلى الصفحات العديدة منها التي أشرفت على تأسيسها شخصيا، ومنها التي اضطررت للإنضمام إليها ومشاركتي في محتوياتها سواء في النشاط الإجتماعي الذي يتطلبه عملي الجمعوي التطوعي، وكذلك فيما يخص المجال الإعلامي الصحفي الذي أزاوله وأكتب فيه بغزارة، ثم لا أنسى العمل المهني في ميدان الوساطة الثقافية والدينية، بالإضافة إلى مزاولتي لمهنة الاستشارة التجارية لإحدى الشركات علما أنني حاصل على دبلوم التسويق وشهادة المالية الإسلامية.

– تنوع هذه الإستخدامات وأهميتها

كل هذا الفسيفساء في عالم التواصل التكنولوجي الحديث يجعل الإنسان يستنزف جل أوقاته في العالم الإفتراضي وتقليص التفاعل في العالم الواقعي، بل أصبحت أجهزة التواصل الإلكترونية كالهواتف واللابتوبات والحواسب وحتى ساعات اليد وكل آلة حاملة لهذه التطبيقات من ضروريات العصر. ولا يمكن الإستغناء عنها لأنها أضحت وسائل لقضاء متطلبات ضرورية أكثر منها كمالية والاستفادة من المعلومة السريعة ومن محركات البحث التي تمكّن من توفير الوقت والطاقة الجسدية والمادية والاقتصادية.

تتفاوت النظريات حول ما يجري من الإستعمالات المتعددة لهذه الوسائل التكنولوجية التواصلية الحديثة ولكن هناك إجماع كامل على ضرورتها وعلى أهميتها سواء في العمل أو في الانخراط والتفاعل والتدافع المجتمعي أو في الحياة الخاصة، ولا يجادل إثنان في أنها ساهمت وبقوة في تكريس النشاط الإنساني والعولمة والتعرف على أنماط حياة وأشكال المجتمعات والثقافات، وكما جعلت الفرد أكثر معرفة وإثراء ثقافته العامة و استحسانا لبعض المقاطع التي تعبر عن الوقائع والأحداث الرائعة والتعرف على الأماكن والأشخاص والإمكانات والأفكار المبهرة فقد أظهرت سذاجة وتفاهة بعض ما ينشر ويبث ويشارك من محتويات سفيهة تدعو للغثيان والاشمئزاز والتأمل في أحوال الناس المضطربة والعقليات المتفاوتة في التقييم والتفكير والتفاعل.

ثم أن هناك العديد من العلاقات التي تأسست ونسجت عند استخدام هذا العالم الإفتراضي ومنها من توطدت وأصبحت واقعا كالمشاريع والصداقة والزواج والتعاون والتكافل والعمل الخيري منها ما كانت ناجحة ومنها متعثرة كباقي التجارب في الحياة. لكن لا نغفل أن هناك العديد من المشاكل التي حدثت بسبب هذه الإستعمالات وتحطمت علاقات كانت قائمة من قبل كالطلاق والفراق، والتخلي عن بعض الأصدقاء والمعارف والأرحام، فقط لأن المحتويات التي نشرت، وبسبب التفاعلات التي نسجت، تكونت ظنون مسبقة، وردود مستفزة، وتعاليق جريئة، تغير النظرة رأسا على عقب وتؤسس لقرارات متسرعة تعود بأضرار كبيرة.

كمّ كبير من الاستفزازات تركت الحليم حيرانا في المقابل بعض الردود المبالغ فيها التي تنمّ عما كانت تخفي القلوب من ضغينة وحقد أبرزت معادن حقيقية ونفوس بغيضة كأنها تنتظر فقط ما يعري على ما تحويه من عداوة، كالذئاب التي ترتدي جلود الحملان.

– أنواع المستخدمين للعالم الإفتراضي

إن رواد هذه الوسائل التواصلية تختلف مشاربهم ومستوياتهم ومقاصدهم، لاشك أن المشهورين منهم قد استفادوا كثيرا حتى من الناحية المادية والمعنوية بفضل المداخيل التي يجنونها لبيعهم محتوياتهم لشركات الإشعار وجمع المعطيات الشخصية لمتابعيهم وهم ما يسمون “إنفلوينسر” أو مؤثرين اجتماعين صانعي محتوى الذي يتابعهم كمّ كبير من المعجبين، وقد تكون ضربة حظ أحد أسباب هذه الشهرة وقد تكون فكرة بسيطة لكن يجب أن تكون ذكية تصل إلى عدد كبير بلغة إنسانية وليس بالضرورة أن تكون منطوقة. ثم هناك من يؤْثر على نفسه خصوصيتها ويجرؤ على نشر حياته اليومية “روتين” أو أحد التجارب والمغامرات، كما تجد بعض المهارات الأساسية في الطبخ أو الأثاث والمواد الاستهلاكية وغيرها من بعض الأحداث الغريبة الي يمكن أن يمر منها الإنسان، وللأسف قليل من يشارك مع متابعيه بعض الفوائد ذات الطابع المعرفي الثقافي والعلمي. والعديد ممن ينشر البذاءات والإغراءات والإيحاءات الجنسية المثيرة والغريبة في أغلبها، بدون رقابة تساهم في إفساد الأخلاق والأذواق ولا يستفيد منها إلا المرضى والباحثين عن الشهرة والشهوة والمال.

ثم هناك المستهلك الخالص وهو الذي لا يأبه لما يدور حوله ويتنقل عبر شاشات جواله وحاسوبه حول العديد من المواقع والصفحات والمحتويات والتطبيقات، لا يفرق بين الغثّ والسمين والهادف والبذيّ، ولا يعبأ بإضاعة وقته رأس ماله، ولا ما يراد بعقله ودينه وعياله، يحتاج إلى من يعلّمه كيف يواجه هذا الخطر الجليل ويهديه سواء السبيل.

قلت :

“يا راكب الخطر الجليل وخوضه

عفوا تمهل بربك تدبرا وتبصرا

سلامتك كنز بها فؤادك ينجلي

همّه لا تلقي به بحرا تتحسرا“

إنه بحر عميق أو سماء زرقاء يجب أن يكون الراكب ربانا ماهرا أو رائدا متدربا لكي يصل إلى بر الأمان أو يخرج بأقل الأضرار إذا لم يتمكن من الخروج بالفائدة لأن استفراغ الوقت والطاقة والفكر وتتبع المواقع الإلكترونية والتنقل عبر الصفحات والشاشات يجب أن يحصل معها العاقل على شيء من الفائدة ويتجنب السفاهة.

– خاتمة الإيجابيات والسلبيات

 

خلاصة القول أن الجميع أصبح عاريا في العالم الإفتراضي، الفضاء الأزرق وما يتداوله الرواد والنشطاء ليس بالضرورة محكوما بزينة العقل والأخلاق ولا بالقيم والمبادئ، ومن عادات البشر الدنيئة أنهم يستلذون الرذائل و يستقبحون المحاسن لأن الشياطين تسبح معهم في هذه العوالم تستبيح مروءتهم وتخرمها وتزين لهم أعمالهم القبيحة نسوا الله فأنساهم أنفسهم.

لا أدعو للسوداوية والتشاؤم من استعمالها بل لا أنكر ما جادت به من إيجابيات في تعزيز الترابط المجتمعي، ولها قوة خارقة في تغيير الواقع الاجتماعي لأن الحتمية المعلوماتية يصعب على الإنسان العيش بدونها بل أصبحت تعتبر من السياقات والنماذج الديمقراطية التي تؤسس للشراكة المجتمعية و التعبئة والانخراط في الحياة العامة، في السياسة والإعلام فأصبحت بذلك منتجا جديدا لا غنى عنه، كما أنها أصبحت لواءا للإبداع والتطور ونشر المعرفة والمعلومة السريعة وتؤثر على الجمهور بحيث تجعله قابلا للتغيير.

لكن لابد أن يكون هناك رقيبا أدبيا وأخلاقيا حتى لا يشكل خطرا على خصوصيات الأفراد وإلحاق الضرر بهم وإثارة النعرات العرقية والدينية والدعوة إلى الكراهية والتحريض على العنف.

*كاتب صحفي مغربي مقيم بإيطاليا

ahmedimam2538@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: