ثقافة و فنون

يا أيّها الذي كان سابقا!

سابقا عبارة حديثة الاستعمال في ما يعني أنّ شخصا ما كان يشغل خطّة أو كانت له وظيفة ثمّ زالت بحكم ما من الأحكام. في هذا الاستعمال يمكن أن نجد العبارات التالية (فلان الوزير سابقا) (عميدة المحامين سابقا) (زوجي سابقا) (صديقي سابقا). هذه العبارة حديثة في هذا الاستعمال، لا بما هي صيغة اسم فاعل يدلّ على شيء سابق في نقيض مع شيء لاحق أو مقبل.
في الاستعمال المعاصر لا يتقابل سابقا بالضرورة مع لاحق أو تالٍ أو حاضر، بل هو صفة تقع على من اتّصف بها للدلالة على أنّ صفته انقطعت، أو أنه كان ذا خطّة ذهبت بحكم التداول. يمكن أن تكون عبارة سابقا مدحا وتعظيما إذا كان الشخص والمنصب مهمّين، ويمكن أن تكون مثار انفعالات سيئة تربط الشخص بحقبة كانت مريرة على من لابستهم خطّته.
تستعمل اللغة الفرنسية كلمة «آكس» Ex استعمالا مستقلا للدلالة إمّا على العشيق أو العشيقة السابقين، أو على الزوج السابق أو الزوجة السابقة بعد الانفصال. الأصل في Ex أنّها سابقة تدخل على كلمة مستقلة لتفيد فيها معنى آنفا أو قبلا وصارت السابقة اسما مستقلا متحررا من تبعية كلمة أخرى. يعرّف المعجم الفرنسي لاروس الإكس كما يلي: «هو الزوج أو الزوجة وقد انفصل عنه أو عنها بالطلاق؛ وهو أيضا الشخص الذي كانت لنا معه علاقة عاطفية».
يمكن القول إنّ هذه العبارة قد دخلت من لغة الناس اليومية ومن رطانتهم، إلى الاستعمال بعد أن اعترف بها. ما حدث لإكس بالتعبير اللساني الدقيق هو تعجيم ويعني أنّ كلمة نحوية تنتمي إلى قائمة مغلقة، صارت كلمة معجميّة تنتمي إلى قائمة مفتوحة، وبذلك انتقلت من كونها كلمة وحدة لغوية غير مستقلة بنفسها لتصبح مستقلة.
في العربية لم يكن العرب قديما يقولون عن الوالي المعزول (الوالي سابقا) كانوا يسمّون الأشياء بأفعالها النافذة، أو التي فيها كسر للعقد فيسمون السابق (معزولا) ويسمون من يتولى محله (خلفا أو خليفة). لقد كانت ثنائية الخلف والسلف هي الأصلية التي تمضي فيها مع حركة الزمان، حركتا الولاية والخلع وهما حركتان تعملان وفق قوانين التوريث، أو التسمية بالولاء. وفي العربية المعاصرة لا نستعمل سابقا في معنى الطليق أو الحبيب مثلما هو الأمر في عبارة إكس.
قلما نقول في العربية زوجي سابقا، أو السابق، أو حبيبتي السابقة أو سابقا. يبدو أنّ ثقافتنا لا تحتفي في هذين الضربين من العلاقات بالسابقيّة، لأنّها تعني الفشل والفشل مطمور في الذاكرة. السابق تعوّض في سياقات كثيرة من تعبيراتنا الثقافية العاطفية بعباراتها التقليدية المناسبة، كطليقي أو طليقتي، أو الأول أو الأولى إن كانت التجربة قد جدّدت. أمّا في تجارب الحبّ، التي عصفت بها الرياح فإنّه لا يوجد اسم يعين هذه التجربة، ففي الأصل لا نحكي عن مثل هذه التجارب إلاّ في السياقات الحميمة وهي سياقات تفصيلية، ورغم ذلك لا شيء يمنع من أن تستعمل صفة السابقة أكثر من سابقا، وكثيرون اليوم في تونس يستعملون عبارة إكس الفرنسية التي تغني عن أيّ ابتداع لكلمة عربية جديدة.
هناك علاقات لا يمكن أن تكون فيها سابقا عبارة مناسبة، لأنّ العلاقة يستحيل فيها أن يصبح طرف سابقا فيها. فلن يكون المرء ابنا سابقا لأب سابق إلاّ إذا اكتشف بالتحليل الجيني أنّه ليس أباه، أو أنّ الناس أخفوا عنه أباه الحقيقي. مشكلة أن يكون المرء ابنا سابقا لأب ليس أباه، فماذا تراه يفعل بكمّ عاطفة الأبوة/ البنوّة التي حصلت لديه في تاريخ من جهل النسب مهم؟ لكن من الناحية العلاقية الطرازية، لا يمكن أن نستعمل (سابقا) في علاقة أبوة أو بنوة أو أمومة أو أخوة أو خؤولة أو عمومة.. علاقات القرابة علاقات ثابتة لا تتحرّك ولا تنقصم عراها، هي شبه قدريّة ولذلك لا يحدث فيها ما يكسر العلاقة وينهيها تماما، وكلّ الخلافات لا يمكن أن تمحو النسب، ولذلك كانت النسبة العلاقية في عبارة (أبي) (أمّي) (أخي) (عمّي) علاقات نسبة أصلية عبر الأزمنة.

العقد الاجتماعي والمواضعة والإشهار للزواج تجعل المرء زوجا قابلا بالطلاق لأن يكون سابقا. التسمية الإدارية والانتخابات الحرّة (وحتى المزيفة) يمكن أن تثبت أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة في مناصبهم، لكنّهم سيكونون بحكم ذهاب العقد وأسبابه ممن يقال عنهم أفرادا أفرادا إنّهم كانوا كذا سابقا.

الحقيقة أن الخؤولة والعمومة وما سار في ركابها البعيد أو القريب لا يمكن أن تحذف، لأنّها علاقات نسبة مرتبطة بعلاقات أصلية. من الممكن أن لا يكون لك عم أو خال، لكنّ لك أبا حتما وأمّا أنت منتسب إليهما؛ والعمومة حتى إن تعطلت في نسب، فإنّها لن تتعطل في آخر. الحياة وسلبها هي المانح للعلاقة بين الأب والأبن والبنت والأمّ، والولادة هي المانحة لكثير من هذه العلاقات النسبية والمانعة لها. ستكون العلاقات وجودية ولن تكون العلاقات عدمية بالموت، فحين يموت الوالد أو من ولد أطال الله في أعمارهم جميعا، فإنّ العلاقات النسبية تظل هي هي.

لا يمكن أن يصير موت الأب المرء ابنا سابقا. يمكن أن يصبح الزوج زوجا سابقا بمجرّد زوال العقد، ويمكن أن يكون لهذا السابق شهود يشهدون أنّه كان زوجا ثمّ صار سابقا. العقد الاجتماعي والمواضعة والإشهار للزواج تجعل المرء زوجا قابلا بالطلاق لأن يكون سابقا. التسمية الإدارية والانتخابات الحرّة (وحتى المزيفة) يمكن أن تثبت أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة في مناصبهم، لكنّهم سيكونون بحكم ذهاب العقد وأسبابه ممن يقال عنهم أفرادا أفرادا إنّهم كانوا كذا سابقا. مشكلة من سيكون سابقا لا يستسيغ هذا اللفظ استشرافا.. لن يقبل المرء الذي يمكن أن يكون سابقا أن يكون سابقا قبل أن يضحي فعلا سابقا على هامش ولايته البائدة أو زواجه الذي في مهبّ الريح أو عشقه القديم. لا يقبل التداول كلاما من نوع (يا أيّها المرء الذي سيكون سابقا) رغم أنّه كلام ممكن لأنّه في المناصب والولايات سيحمل على التحدّي، وفي العواطف سيحمل على قلة الذوق. يقبل التداول كلاما من نوع (يا أيها الذي كان سابقا) لأنّه تقرير لحقيقة وشماتة مستحقة ممن لا سلطة له لا على الكرسي ولا على القلب.

هناك ممّن يطلق عليهم سابقا مساكين، لأنّهم لم ينصفوا مرّتين: مرّة على يد من اعتبرهم سابقين من غير إنذار، ومرّة لأنّ اللغة لم تسمح لهم بأن يتسموا كذلك في ثقافة تتستر على العشق الفاشل والناجح كليهما. في مقال ممتع نشر في مجلة «ماري كلير» الفرنسية تحت عنوان «هؤلاء السابقون الذين يحبّ بعضهم بعضا دائما» شهادات عن منفصلين بالطلاق ما زالوا يحفظون الود ويصونون العهد ويلتقون دوريّا. فشارلوت الزوجة ذات الثلاثة عقود ونصف العقد، تقول عن بول زوجها سابقا: «لم أشعر بأنّي قريبة من بول إلاّ منذ ا، فقد مكّن الطلاق هذا الزوج من أن يكونا «أخف» ممّا كانا عليه لأنّهما تخلصا من الخوف من أن يهدما عش زواجهما. لقد انفصلا ولم يهدم أيّ شيء. يتساءل الصحافي في هذا المقال: «هل يمكن أن نتحدّث عن قطيعة مولدة للعشق؟ فإن تكون سابقا بالطلاق لا يعني أنّ الحبّ انتهى آليّا. أن تكون سابقا لا يعني، كما ترى، أنك عزلت عن عرش من تحبّ. ليس الأمر كما في السياسة حين تكون رئيسا سابقا معزولا.. عرش القلب ليس كعرش التاج.. يهدم العش وتظلّ معابد القلب قائمة الأسس.
الدرس الذي يعلمنا إياه هذا الاستعمال للسابق هو أنّ اللغة لا يمكن أن تصف بالدقة ما تسمّيه من الأشياء، فكلّ يبني سابقيته بشكل. فيا أيها الذي كان سابقا أنت شيء نسبيّ في لغة من استعملك وفي ذهن من خبّأك وفي لونه ورائحته.. فتعلم أن تعرف معنى أن تكون قبل أن تكون سابقا بلا معنى.

توفيق قريرة أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: