مقالات

يوم عرفة فرصة ذهبية وعطايا عظيمة و مكرُمة ربانية

الدكتور. أسامة جادو،<<نبض الوطن>>:
الحمد لله تعالى أن أمدَّ عمرنا لنشهد يوم عرفة و ندرك ما فيه من عطايا ربانية عظيمة و مكرمة ترفع شأن المسلم والمسلمة في الدارين، محطةٌ جديدةٌ من محطات التزود بالطاقة الإيمانية و الزاد الروحي الذي ينعشُ الأرواح و يطببُ النفوس و يمسحُ عن القلوب غبار الطريق و أكدار البلاءات و أدران المعاصي و السيئات يومٌ في العام تتجدد فيه معاني التوحيد الخالص لله تعالى و تتشبع نفوس المسلمين بقيم الإسلام و روحه و مقاصده و تظهر أمة الإسلام في أبهى صورة لها.
 هو يومُ جمع الأمة كلها في صعيد عرفة، لا حدود سياسية ولا عوائق جغرافية و لا خلافات عرقية و لا تعصبات لمذهب أو لحزب أو لعرق أو للون أو للغة أو لقبيلة أولبلد أو لمنطقة ، بل جميعهم مسلمون توحدوا تحت راية القرآن الكريم ، هم أتباعٌ للنبي الكريم محمد صلى الله عليه و سلم ، يوم عرفة يوم توحيد الأمة و جمعها بعد تفرق و شتات .
أتحينُ هذه الفرصة وأُذكِرُ نفسي وأحبتي و الإخوة والأبناء الأكارم أئمة المساجد و خطباءها و معلمي و معلمات القرآن الكريم ببعض المعاني الإيمانية التي تشحذُ الهمةَ وتُعينُ على أداء الواجبات وتقربُنا من هيئة النصر واستكمال مقوماته الأساسية ، تقبل الله تعالى منكم صالح الأعمال ورزقنا وإياكم عملاً صالحًا متقبلاً يرضى به عنا ويوجبُ لنا محبته ويسبغُ به علينا فضله .
وأبدأ بالتذكير بيوم عرفـــــــة.
فضــلُ يوم عرفـــــــة
يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهو من أفضل الأيام مع يوم النحر يوم عيد الأضحى.. خصَّ الله تعالى يوم عرفة بفضائل وخيرات ليست في غيره من الأيام، وسنَّ لنا رسول الله صومه، كما علمنا الدعاء يومه.
– لماذا سُمي بيوم عرفة؟  لأنه اليوم الذي يقف فيه وفدُ الله الحجاج على صعيد عرفة، وهو موضع الوقوف، وأهم ركن من أركان الحج كما جاء في مسند الإمام أحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “الحجٌ عرفة”؛ أي أن أهم ركن من أركان الحج الوقوف بعرفات. وسُمِّي هذا المكان بعرفة لما رواه الإمام ابن كثير في تفسيره عن علي بن أبي طالب أنه قال: “بعث الله جبريل إلى إبراهيم فحجَّ به حتى إذا أتى عرفة قال عرفات، وقد أتى قبل ذلك مرةً فلذلك سُميت عرفة”.
ورأى آخر عن عطاء إنما سميت عرفة؛ “لأن جبريل كان يُري إبراهيم المناسك فيقول عرفت عرفت… فسمِّيت بعرفات”.
– مكانة يوم عرفة
أما مكانة يوم عرفة فحدِّث ولا حرج، وهي مكانة أكبر من أن يُحيط بها متحدث في ساعة من الزمان، لكن تكفينا باقة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتناول فيها بعض فضائل وخيرات وثواب هذا اليوم الكريم.. روى الإمام مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟”.
والإمام النووي في شرح الحديث يقول وهو يشرح كلمة “وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة”: “تدنو رحمته دنوّ كرامة لا دنوَّ مسافة ومماس، وهو يتأوَّل بذلك حديث النزول إلى السماء الدنيا وتنزل الرحمة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث “إن الشيطان أغيظ يوم عرفة لما يرى من تنزل الرحمة”.. فالله حين ينزل إلى السماء الدنيا ينزل نزولاً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه.. نزولاً يعجز الواصفون عن وصفه ويعجز البشر عن الإحاطة بهذا علمًا يقول الله تعالى: “هؤلاء عبادي جاءوني شُعثًا غُبرًا ، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم يروني.. فكيف لو رأوني؟”.
وفي حديث سيدنا جابر: “وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة.. ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول “انظروا إلى عبادي جاءوني شعثًا غبرًا ضاحين، جاءوا من كل فجّ عميق، يرجون رحمتي ولم يرَوا عذابي، فلم يُرَ يومٌ أكثر عتقًا من النار من يوم عرفة” (رواه البزار وابن خزيمة وأبو يعلى وابن حبان)، وزاد ابن خزيمة “أشهدكم أني غفرت لهم، فتقول الملائكة إن فيهم فلانًا مرهقًا وفلانًا قال.. يقول الله قد غفرت لهم” (المرهق: أي الذي يغشى المحارم ويرتكب العصيان والمآثم) والخطاب من الله تعالى لملائكته .
يوم عرفة أشد وأغيظ وأدحر وأغبر على الملعون إبليس
حديثالنبي صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة فأجيب إني قد غفرت لهم ما خلا الظالم فإني آخذ للمظلوم منه قال أي رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم فلم يجب عشيته فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل قال فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال تبسم فقال له أبو بكر وعمر بأبي أنت وأمي إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها فما الذي أضحكك أضحك الله سنك قال إن عدو الله إبليس لما علم أن الله عز وجل قد استجاب دعائي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه ويدعو بالويل والثبور فأضحكني ما رأيت من جزعه ]
فالحديث رواه أحمد والبيهقي في السنن والشعب، وقد حسنه بعض المحدثين بتعدد طرقه
وفي رواية الإمام مالك عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما رُئي الشيطان (بضم الراء) يومًا هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة- وما ذاك إلا لما رأى من تنزُّل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام- إلا ما رأى يوم بدر ، قيل: وما رأى يوم بدر؟ قال: أما أنه قد رأى جبريل يزع الملائكة “أي يصفّهم للقتال”.
فلا تغيب شمس عرفة إلا وتغيب بذنوب السعداء من حجيج بيت الله الحرام ، اللهمَّ اغفر لنا و ارحمنا و تقبلنا في عبادك الصالحين .
– صيام يوم عرفة لغير الحجيج
ومن سنن يوم عرفة الصيام لغير الحجيج , في حديث الإمام مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجة والترمذي عن أبي قتادة رضي الله عنه قال سُئلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم عرفة قال: “يكفر السنة الماضية والباقية”، وفي رواية الإمام الترمذي قال: “إني احتسبت على الله أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله” .
فالصحابة يسألون عن الفضل ولا يسألون عن المشروعية، وهنا شبهة قد ترد على الأذهان وهي كيف يكفّر المولى السنة القادمة وذنوبها لم تُرتَكَب بعد؟ وهنا الجواب مطروح:
– أولاً: أن الله يعصمه من الذنوب كلها.
– ثانيًا: أن الله يعصمه من السنة القادمة فلا يقع في الكبائر ووعد الله في كتابه الكريم “أن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم” وبذلك يغفر الله عز وجل له كل الذنوب.
– ثالثًا: إن وقع منه ذنبٌ وقع مغفورًا له.
– رابعًا: أن الله تعالى إذا قدَّر لهذا العبد وكتب عليه ذنبًا قدَّر له منه توبةً ، ويكون مآلُه إلى التوبة دائمًا ويُقبض على توبة.
 
صيام يوم عرفة سنةٌ مؤكدةٌ فعلها النبيُّ الكريمُ صلى الله عليه وسلم ، و يصحُّ صومُ يومِ عرفة إن صادف يوماً ورد النهيُّ عن إفراد الصوم فيه ، مثل يوم الجمعة أو السبت ، جمهور الأئمة والعلماء على صحة صيام يوم الجمعة منفرداً إذا صادف يوم عرفة أو يوم عاشوراء أو يوماً كان من عادة الصائم أن يصومه ، دون أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده .
– دعـــــــــــــاء يوم عرفــــــة
يوم عرفة يوم مشهود، يتجلى فيه المولى عز وجل على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فكملت به النعمة، وكمل به الدين، ورضي الله تعالى فيه الإسلام لنا دينا، ونزلت فيه الآية الكريمة درّة آيات سورة المائدة “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” ( المائدة: 3).. بعض اليهود قال لسيدنا عمر إن في قرآنكم آيةً لو نزلت علينا معشر اليهود لجعلناها لنا عيدًا؛ ففطن سيدنا عمر وأخبره بهذه الآية.
– هو يوم الدعاء والتوبة والتضرع..
يوم تكون فيه القلوب واجفةً، والعيون دامعةً، والألسنة ذاكرةً، وبالدعاء خاشعةً.. إنه يوم إجابة الدعاء، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا الله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير” رواه الترمذي وأحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .
الدعاء يكون للحجاج وغير الحجاج، وهل الذكر دعاء؟!
نقول: نعم .. من شُغِلَ بذكر الله عن مسألة الله أعطاه الله خيرًا مما يُعطَى السائلين. فالحديث المذكور رواه الترمذي من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: ” يقول الرب عز وجل: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته ‏أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه” وكما قال علماؤنا الأكارم “الدعاء نوعان: دعاء الثناء ودعاء الطلب، فذكر الله تعالى ‏والثناء عليه دعاء، والمشتغل به محقق لقول الله (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ولهذا جاء في ‏الحديث أفضل الدعاء” لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل ‏شيء قدير” فسمي هذا الثناء والتوحيد دعاء، وكذلك دعاء الكرب، ودعاء أيوب عليه ‏السلام. وهذا الثناء متضمن لدعاء الطلب.‏
وفي الحديث “أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله ” ‏رواه ابن ماجة وابن أبي الدنيا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ‏الترمذي وغيره ” دعوة أخي ذي النون لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ما دعا ‏بها مكروبٌ إلا فرج الله كربته”.
فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم… أقبلوا على ربكم بقلوب راغبة في الخير والطاعة ، وشمروا في طلب جنَّة عرضُها السموات والأرض، ولا تفرطوا في هذه الفرص الذهبية ، تقبل الله منا ومنكم .
أكثروا من ذكر الله تعالى في هذه الأيام المباركة، وأكثروا من الدعــــاء والتضرع إلى الله أن يفرج الكروب ويذهب الهموم ويغفر الذنوب، وأن يحقق لأمتنا العزة والتمكين في ظل شريعة الإسلام الغراء، وأن يتقبل شهداءنا ويرحم موتانا ويشفى مصابينا ويداوي جرحانا ويربط على قلوب الأمهات الثكالى وزوجات الشهداء وأيتامهم وذويهم أجمعين، وأن ينتقم من المجرمين القتلة الخونة وأن يعجل بنصره وتمكينه لأهل الحق، وأن يوحد المسلمين و يجمع شملهم و كلمتهم تحت لواء الإسلام و راية القرآن الكريم . اللهمَّ آمين.
*عميد كلية الزهراء بغازي عنتاب سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة نبض الوطن