ركن القراءة

نظرية المعرفة أو ما بعد الطبيعة

كان يوم 10 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1619 حدثا كبيرا ومهما في حياة الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، اليوم الذي تشهد له تاريخ الفلسفة الحديثة بولادة المنهج العلمي لرائدها ومؤسسها الأول. ذلك المنهج الذي أخرج الإنسان إلى الوجود بوصفه ذاتا فاعلة ومفكرة، بعد أن هيمنت فلسفة أرسطو لمئات السنوات على فكر العصور الوسطى، وتوظيفها لصالح الكنيسة ورجال الدين.
تذكر روايات السيرة الذاتية عن ديكارت، أنه عندما كان في الرابعة والعشرين من عمره، حلم حلما من ثلاثة أجزاء، فرأى العديد من الأشباح تقترب منه فتنقذه الريح، فاعتقد أن تلك الأحلام هي إشارة من الله، وقد نشرها في رسالة سماها «أولمبيكا» ومعناها عند اليونان الوطن الإلهي، وهو وطن خارج المعقولات والمحسوسات.
وبعد استغراقه في التأمل والتفكير وجد قواعد علم يستحق الإعجاب كما ورد في الرسالة. «وجدت وأنا ممتلئ حماسا قواعد علم يستحق الأعجاب».
كان مذهب ديكارت هو الجذور الراسخة التي قامت عليها شجرة الفلسفة الحديثة في أوروبا، حيث يؤكد سارتر في القرن العشرين، أن فلسفة ديكارت هي مذهب إنساني تنطلق وجوديته من ذلك الكوجيتو الذي يرى في الإنسان كينونة وذاتا مفكرة في كل ما حولها. وكذلك يرى مارتن هيدغر في فلسفة ديكارت، أنها فلسفة تتمحور حول الكينونة، وقد وظف هوسرل، الكوجيتو الديكارتي في ظاهرياته بالوعي القصدي الذي يتجه نحو الأشياء ويفكر بها. وكان بول ريكور يرى في مرحلة ما بعد الحداثة أنها مرحلة شوهت الكوجيتو الديكارتي، وأنكرت الذات الفاعلة، تحت مسمى البنيوية التي قامت بتذويب الإنسان في مجموعة من الخطابات والأنساق الفكرية. لقد تمرد ديكارت على مفاهيم عصره، ووقف بالضد من الفلسفة التأملية المجردة، لذا اعتمد في فلسفاته منهجا رياضيا مرتبطا بالعلوم والفيزياء الحديثة عن طريق إعمال العقل وحده للوصول إلى الحقيقة. فالشك عند ديكارت هو نقد منهجي مستمر يشمل جميع الظواهر العلمية والمعرفية، وجميع الحقائق والأيدولوجيات.

نظرية المعرفة أو ما بعد الطبيعة

اعتبر ديكارت أن العقل وحده هو دليل الإنسان إلى الحقيقة، وقد بحث عن استدلالات عقلية لا تخضع للشك، ليقيم عليها منهجه، واعتبر أن في العقل نورا فطريا سيقودنا لتلك الحقيقة. يبدأ ديكارت بمسايرة اللاإدريين، الذين يقولون بعدم وجود معرفة يقينية، ويستحيل على العقل البشري أن يدرك أي حقيقة مطلقة، فيشك بكل شيء حوله، بكل ما يراه أو يسمعه أو يلمسه. لذا يقر بأن الحواس تخدعنا، ويشاطر اللاإدريين شكهم، ويذهب أبعد من ذلك، فيفترض أن شيطانا قام بتضليله، لتصبح الطبيعة وسائر الأشياء الخارجية عبارة عن أوهام وأحلام، ثم ينتقل بالشك إلى مرحلة أخرى، فيشك في نفسه ككيان وجسد من دم ولحم. لكن ديكارت يبقى مصمما على الخروج من دائرة الشك، فيرى أن الشيطان مهما حاول تضليله، إلا إنه يبقى حرا وليس مجبرا على الأخذ بتضليله، ما دام هو شيء من الأشياء، ثم ينتهي إلى أنه موجود بمجرد التفكير، أي أنه شيء مفكر، ومن هنا ينطلق أساس الكوجيتو المشهور عند ديكارت «أنا أفكر إذن أنا موجود».

يستخدم ديكارت في كتابه «مقال عن المنهج» أربع قواعد أشبه بالنسق الرياضي والتحليل الهندسي، وهذه القواعد تحمي العقل من الوقوع في الزلل، وتساعد النفس على أن تبلغ المعرفة الصحيحة المرتبطة بالدقة العلمية، وتشمل هذه القواعد مختلف أنواع العلوم الإنسانية والطبيعية

إثبات وجود الله

يرى ديكارت أن الماهيات والصور الذهنية هي موجودات، لأنها تقوم في الذهن وتفكر في النفس، ويطلق عليها صفة الوجود الموضوعي، عكس الوجود الفعلي المرتبط بالمحسوسات والمرئيات. والوجود الموضوعي عند ديكارت مرتبط بصفة الكمال، ومن خلال نظرته للهندسة يفرض أنه بفضل البرهان الهندسي، أن زوايا المثلث مساوية لزاويتين قائمتين، لكن هذا لا يجعلنا على ثقة تامة بأن العالم مثلث، لكنه صورة ذهنية لموجود تام الكمال يشتمل على معنى في الوجود ويدخل فيه.
ومن خلال تفكير ديكارت بشكوكه ونواقصه؛ يستنتج صفة الكمال، وبأنه كائن ناقص يبحث عن الحقيقة، ويمارس عملية الشك؛ لذا فالأفكار الموجودة في ذهن الإنسان عن صفة الكمال واللاتناهي، والقدرة الكلية، لا بد أن تكون لها علة كافية لظهورها، وهذه العلة لا تأتي إلا من كائن يهب الكمال على إنه محمول من محمولات الوجود، وهذا الكائن هو الله وحده الذي يتمتع بكل تلك الصفات.

القواعد الأربع لإحكام قيادة العقل

يستخدم ديكارت في كتابه «مقال عن المنهج» أربع قواعد أشبه بالنسق الرياضي والتحليل الهندسي، وهذه القواعد تحمي العقل من الوقوع في الزلل، وتساعد النفس على أن تبلغ المعرفة الصحيحة المرتبطة بالدقة العلمية، وتشمل هذه القواعد مختلف أنواع العلوم الإنسانية والطبيعية، وهذه القواعد هي:
1ـ البداهة والوضوح: «ألا أقبل شيئا على أنه حق ما لم أعرف يقينا أنه كذلك، وألا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل أمام عقلي بوضوح وتميز، بحيث لا يكون لديّ أي مجال لوضعه في الشك.
2- التحليل: وهو تقسيم المعضلة التي تدرس إلى أجزاء صغيرة، بالعودة إلى العناصر الأولية التي تتكون منها المعضلة.
3- التأليف أو التركيب ويعبر عنهما ديكارت: «أن أسير أفكاري بنظام، بادئا بأبسط الأمور، وأسهلها معرفة، كي أتدرج قليلا حتى أصل إلى معرفة أكثرها تركيبا، بل أن أفرض ترتيبا بين الأمور التي لا يسبق بعضُها، بعضَها الآخر.
4- الاستقراء التام: ويقصد به ديكارت الإحصاء أو التحقيق بعد حل المعضلة، الذي يمنعنا سهوا من وقوع الأخطاء ويوجزها ديكارت بهذه العبارة: «أن أعمل في كل الأحوال من الإحصاءات الكاملة والمراجعات الشاملة، ما يجعلني على ثقة من أني لم أغفل شيئا.

انفعالات النفس

كان كتاب «رسالة في انفعالات» أو «المختصر في انفعالات النفس» آخر كتاب حررته يد الفيلسوف الفرنسي عام 1649.. وقد كتبه بالفرنسية وليس باللاتينية، لتوسيع قاعدة جمهوره، وعدم حصرها بفئة قليلة من الناس، والكتاب عبارة عن ثلاثة أقسام وتتضمن 212 مقالة تختص في علم النفس ودراسة الانفعالات، وقد صدرت مؤخرا طبعة خامسة عن دار الرافدين، ترجمة وتقديم جورج زيناتي.
النفس عند ديكارت هي الجوهر المفكر، وما الجسد إلا امتداد، والنفس واحدة لا تتجزأ، أما الجسد فيتجزأ، ولذلك يفترض ديكارت أن النفس المفكرة ممكن أن توجد منفصلة عن الجسد، من خلال عملية الشك التي افترضها في مذهبه الميتافيزيقي.
بعد أن يصنف ديكارت وظائف الجسد الحيوية، ينتقل إلى النفس التي لا تحتوي سوى أفكارنا، وتكون على نوعين هي أفعالها وانفعالاتها، فالأفعال هي جميع الإرادات، والانفعالات هي كل أنواع الإدراكات والمعارف التي توجد فينا، والإدراكات عند ديكارت هي تلك التي تنسب إلى الجسم وتأتينا من بعض أعضائه، كالجوع والعطش وبقية النزعات الطبيعية، وتلك التي تأتي من الأشياء الخارجية وتصدم حواسنا كالألم والبرودة والحرارة، وتثار عن طريق بعض الحركات في الحواس الخارجية، التي بدورها تثير بفضل الأعصاب بعض الحركات في الدماغ، والتي تجعل النفس تحس. ونحن لا نشعر إلا بتلك الآثار في النفس، كمشاعر الفرح والحزن والغضب، كما أن هناك إدراكات أخرى تتعلق بالخيالات والأفكار. يرى ديكارت هنا وعلى عكس مذهبه الميتافيزيقي أن النفس متحدة بكل أجزاء الجسم مجتمعة. وهي كذلك تنفعل وتتأثر كبقية أعضاء الجسم، وتبقى في تناغم معه، لكن تبقى ميزتها في الأفكار التي ترتقي فوق الجسد والأعراض الخارجية. إن التعجب وفقا لديكارت هو أول الانفعالات التي تأتينا من العالم الخارجي، وبناء عليه تتكون بقية الانفعالات التي تؤثر فينا، سلبية كانت أم إيجابية، لكن ديكارت هنا لا يطلب منا أن نندهش فقط ونتعجب لأي ظاهرة أو حدث، بل يطلب استخدام العقل استخداما علميا لمعرفة وتفكيك كل شيء غريب يأتينا من العالم المحيط. تلعب المحسوسات والانطباعات الأولية في الدماغ، دورا في تحديد مقياس الخير والشر في الحكم على الأشياء والأحداث، وفقا لمبدئي اللذة والألم في الطبيعة الإنسانية، كما يتطرق إلى الانفعالات النقيضة في أعماق النفس، كشعورنا بالتعاطف مع آلام الآخرين ومصائبهم، وفي الوقت نفسه يكمن شعور نقيض في دواخلنا يؤيد تلك الآلام والمصائب.

يتكلم ديكارت عن بعض الانفعالات السائدة، كالحسد الذي يعتبره حزنا يخالطه الكره النابع من أن الخير الذي أصاب الآخرين لا يستحقونه، وعكسه الرأفة وهي عبارة عن حزن يخالطه الحب أو الخير. ويعتبر ديكارت السخرية أو الاستهزاء نوعا من الفرح الممزوج بالكره، يأتي من أننا نلمس عيبا صغيرا في شخص نعتقد أنه يستحق هذا العيب، وفي قلبنا كره لهذا العيب ونراه استحقاقا لذلك الشخص. حول الرجاء والتخوف يتكلم ديكارت، بأن اقتناع النفس في الرغبة المراد تحصيلها، ستأتي ويسمى هذا رجاء، وعندما يبلغ الرجاء أقصاه في تحقيق الرغبات الممكنة فإن النفس تتحرك نحو جهة الاطمئنان. أما انفعال النفس واقتناعها بأن ما ترغبه لن يحصل يسمى تخوفا، وعندما يكون على قدر كبير من الشدة لينتزع كل رجاء يتحول إلى قنوط ويطفئ كل رغبة ممكنة. كما يرى ديكارت أن الانفعالات في النفس البشرية جيدة بطبيعتها، إذا أحسّنا استخدامها، بعد أن عرفناها وفحصناها في دواخلنا، وتحديدا أن معظم هذه الانفعالات تأتي من انطباعات أولى في الدماغ، ولها تأثيراتها في حركة الدم ونبضات القلب، فيصف ديكارت حركة الدورة الدموية وكمية تدفق الدم واتساع الأوردة عند شعورنا بالمحبة أو الكراهية، أو الحزن والغضب، وتأثير كل من تلك الانفعالات على الحركات وعلى المظهر الخارجي، لذلك فإن معرفة الانفعالات وتحديدها يجعلنا نفصلها عن الأفكار؛ لأن الإفراط في الانفعالات يجعل الموضوعات تظهر للمخيلة وتخدع النفس. ويذهب ديكارت عكس الرواقيين الذين يطالبون الإنسان بتعطيل الحواس المبهجة أو الحزينة، لكي يصل إلى حالة من الطمأنينة والسلام؛ بأن فن التمتع بالحياة يكمن في أن يعيش الإنسان تلك الانفعالات إلى أقصاها، وبالتالي تزيد قدرته على العيش وعلى تذوق السعادة.
أوس حسن

كاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة نبض الوطن