مقالات

لماذا يخاف المطبّعون من زوال إسرائيل؟

مرّت أربع وسبعون سنة على تأسيس دولة إسرائيل، بناءً على وعد بلفور المشؤوم، ولا يزال حلم زوال هذا الكيان المحتل يراودنا، ويدغدغ خيالنا منذ أن فتحنا أعيننا، على الحقيقة المرة، وهي أن أرض فلسطين قد تمّ احتلالها من قِبَل العصابات الصهيونية، بعد تقتيل أهلها وتشريد شعبها.

والحقيقة أن هناك عدة أسباب تزيدنا تشبّثنا بحلم زوال إسرائيل، منها الوعد الإلهي الذي ورد في آيات سورة الإسراء من حديث عن نبوءة قيام دولة إسرائيل وزوالها مرتين: “وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ”.. “فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا”.

وجدير بالذكر أن نبوءة سورة الإسراء هذه، قد أصبحت محل اهتمام شعبي كبير بين عدد كبير من المسلمين، وغير المسلمين. بل حتى من قِبل الإسرائيليين أنفسهم، على رأسهم الحاخامات واليهود المتدينون والعلمانيون والسياسيون والصحفيون.

ثم هناك التوقعات والتنبؤات، المبنية على تقارير استخبارية أوروبية وأمريكية، والتي تؤكد زوال إسرائيل بحلول الربع الأول من هذا القرن. وليس غريبا، أن تصدر جملة من التصريحات على لسان العديد من قادة دولة إسرائيل، من مختلف المستويات السياسية والعسكرية والصحفية، يحذرون فيها من مصير الانهيار والزوال الذي أصبح يتهدد دولتهم. ولِنستمع للكاتب الصحفي الشهير جدعون ليفي، يلخص القلق الذي ينتاب الشعور الإسرائيلي بقوله: “لن يستطيع أحد وقف عملية التدمير الذاتي الداخلي الإسرائيلي، فمرض إسرائيل السرطاني قد بلغ مراحله الأخيرة ولا سبيل لعلاجه”

القادة الإسرائيليون يدركون جيدا أن إسرائيل الحالية لن تبلغ الثمانين عاما، لأنهم يعلمون أن جميع الممالك اليهودية قد سقطت قبل ان تكمل ثمانين سنة من عمرها، وهو ما صرّح به بنيامين نتنياهو حين كان رئيسا للحكومة الإسرائيلية سنة 2017 قائلا بأنه سيجتهد لتعمير إسرائيل مائة عام، وأن هذا ليس بديهيا لأنه لم يسبق لدولة يهودية بلوغ الثمانين، وهو ذاته ما حذر منه لاحقا رئيس وزراء الاحتلال الحالي نفتالي بينيت، وهو الشيء نفسه الذي ذكره رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك في مقال له، حيث قال بأنه يخشى أن تنزل بإسرائيل لعنة العقد الثامن التي أصابت دولا يهودية سابقة كدولة داوود أو دولة الحشمونائيم.

السبب الآخر الذي يجعلنا أكثر يقينا بتحقق حلمنا وأمنيتنا بزوال دولة إسرائيل، هو الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني، الذي أبى إلا أن يتشبّث بقضيته العادلة، ويقف في وجه كل محاولات محوها أو تحريفها، وأظهر للجميع أنه شعب قوي لا يمكن هزيمته أو كسر إراداته، وهذا ما يؤكده أيضا الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي حيث يقول “إنّنا نُواجه أصعب شعب في التّاريخ”

في خضم هذه النبوءات والتوقعات، وكذا التقارير الاستخباراتية، التي أجمعت على أن زوال إسرائيل أصبح وشيكا، وفيما اقتنع أغلب القادة الإسرائيليين، بحتمية زوال كيانهم واستحالة العيش فيه باستقرار، يأبى بعض الحكام العرب إلا معاكسة التاريخ، وذلك بتشبثهم بوجود الكيان الصهيوني والانصياع للأوامر الأمريكية في إقامة علاقات التطبيع معه، للتخفيف من وضعه الحساس كأقلية محتلة في وسط شعوب عربية معادية لا تقبل بوجوده على أرض فلسطين المغتصبة. فلماذا يخشى هؤلاء الحكام زوال إسرائيل من الوجود؟ ولماذا يصرون على رفض اتخاذ المواقف الوطنية والقومية ضد إسرائيل المعتدية؟ ولماذا لا يحركون جيوشهم لتحرير فلسطين؟ هل خوفا من وقف الدعم الذي يتلقونه من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؟ أم خوفا على كراسيهم وعروشهم من سقوطها إذا ما رُفع عنهم الدعم الأمريكي والإسرائيلي؟

لكن ما يجب أن يدركه هؤلاء الحكام، أن إسرائيل ستزول حتما من الوجود، وقبل أن تزول، فلا بد من إزالة وقطع كل الشرايين التي تمدها بالحياة، والتطبيع واحد من هذه الشرايين، التي يجب قطعها.

إسرائيل تعلم جيدا أعداءها الحقيقيين، وتعرف أوصافهم جيدا، وتعلم أن زوالها سيكون على أيدي هؤلاء المقاومين، عباد الله، المبشّر بهم في القرآن الكريم، فلذلك تحاربهم وتحرض أتباعها من الحكام العرب على محاربتهم، لكن المقاومين ماضون نحو النصر التمكين بتحرير أرض فلسطين، وهم ثابتون، لعدوهم الصهيوني قاهرون، لا يضرهم من خالفهم، حتى يتحقق وعد الله.

فلاش: منذ التوقيع المشؤوم على الإعلان المشترك بين المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة، سنة 2020، والذي اقترفته أيدي سعد الدين العثماني رئيس الوزراء المغربي والأمين العام لحزب العدالة والتنمية آنذاك، تسارعت وتيرة التطبيع بين المغرب وإسرائيل، وتوالت اللقاءات والزيارات إلى أن تمّ تتويج ذلك بجملة من الاتفاقيات، ومذكرات التفاهم في كثير من المجالات. وبينما احتفى الإسرائيليون بالاتفاق واعتبروه فصلا جديدا في العلاقات الخاصة التي تتعمق أكثر وتتماشى مع المصالح الجيوسياسية، أعرب مسؤولون مغاربة عن استعدادهم المضي قدُما في التطبيع دون حدود. وهكذا بدأ مسلسل التطبيع بشكل هستيري شمل كل المجالات بدون استثناء وفي وقت وجيز وغير مسبوق في علاقات إسرائيل بالدول المطبعة معها، ومن أشكال التطبيع الذي رصدناه: التطبيع السياسي، والديبلوماسي، والتربوي، والسياحي، والاقتصادي، والصناعي، والفلاحي، والعسكري، والأمني، والرياضي، والإعلامي، والثقافي، والفني، والقضائي، وحتى المجال الديني لم يسلم من التطبيع، ناهيك عن الزيارات المتبادلة، بين أعضاء الحكومة الإسرائيلية والحكومة المغربية. والحقيقة أنني لا أدر ي ما هي الرسالة التي تريد حكومة أخنوش بعثها من خلال هذا التسونامي من التطبيع مع كيان زائل، يسمى زورا وبهتانا “دولة إسرائيل”؟

أمين بوشعيب/ إيطاليا

أمين بوشعيب

الأستاذ أمين بوشعيب كاتب و محلل سياسي وناشط صحافي مقيم بإيطاليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: